وسط أزقة ضيقة بأسواق بني مكادة والعوامة ومسنانة والسواني، وفي رفوف خفية بمحلات العطارة أو بقالات الأحياء الشعبية، يُباع دواء يُسمى “ديكسون Dexone” وكأنه مجرد حلوى سحرية للتسمين السريع وتجميل الجسد.
لا وصفة طبية، لا تدخل من الجهات المعنية، ولا حسيب ولا رقيب… فقط جرعات من ديكساميثازون (Dexamethasone)، أحد أقوى أدوية الكورتيكويدات، تُوزّع في صمت، وقد تتسبب في أمراض مزمنة، وتشوّهات هرمونية، وحتى الموت البطيء.
في طنجة، بات هذا الدواء الرخيص، الذي لا يتجاو للعبوة، حديث أوساط شبابية ونسائية، خاصة في الأحياء الشعبية، حيث يُستعمل بشكل يومي لأغراض التسمين وزيادة الوزن، بل ويُروّج على أنه “منشّط عام” و”فاتح شهية” و”دواء الجمال السريع”.
فهل هو فعلا دواء معجزة؟ أم أنه فخ دوائي يتربص بضحاياه في غفلة من أعين الرقابة؟
دواء “الجمال” الذي يخفي مرضا خطيرا
في جولة ميدانية قامت بها صحيفة”طنجة+” داخل بعض الأسواق المعروفة في طنجة، سألنا عددا من الباعة المتجولين وبعض مالكي محلات الأعشاب والعطارة، فكان الجواب متطابقا:
“هذا الدواء يطلبه الزبناء كثيرا، خاصة الفتيات الراغبات في زيادة الوزن. يعطي نتيجة سريعة. يشربونه مع الحليب، أو مع الفطور كل صباح.”
وعند الاستفسار عن إمكانية صرفه دون وصفة طبية، قال أحدهم:
“لا أحد يسأل عن وصفة. نحن نبيع ما يطلبه الزبون. الدواء موجود وثمنه في المتناول.”
الغريب أن بعض هؤلاء الباعة لا يعرفون حتى اسم المادة الفعالة في الدواء، ولا يدركون أن ديكساميثازون يُعد من أقوى الكورتيكويدات الاصطناعية، ويُستخدم عادة لعلاج أمراض التهابية ومناعية معقدة، مثل الربو الشديد، الذئبة الحمراء، بعض أنواع السرطان، والتهابات الدماغ الخطيرة.
طبيب يحذر: ديكساميثازون ليس لعبة!
في لقاء مع الدكتور “مـ.ج” طبيب عام أوضح لـ”طنجة+” أن استخدام هذا النوع من الكورتيكويدات دون إشراف طبي هو مجازفة خطيرة قد تكلّف الإنسان صحته مدى الحياة.
يقول الدكتور:
“الديكساميثازون دواء فعال في إطار ضيق وتحت مراقبة طبية صارمة. استخدامه لأغراض تجميلية أو لزيادة الوزن هو أمر غير مقبول علميًا، بل يُعد ضربًا من الانتحار البطيء.”
ويضيف:
“الآثار الجانبية لهذا الدواء كارثية: هشاشة العظام، اضطراب الغدة الكظرية، تقلبات مزاجية حادة، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع نسبة السكر في الدم، كبح المناعة، وتوقف النمو عند المراهقين.”
الدكتور يذكّر أيضا بأن الاستعمال المزمن يؤدي إلى سمنة وجه القمر، أي امتلاء الوجه بشكل غير طبيعي، وظهور كرش بارز نتيجة احتباس الدهون، مع انتفاخ في الأطراف، وهو ما يولد مظهرا زائفا للجمال سرعان ما ينهار عند التوقف عن تناول الدواء.
نساء وشابات.. ضحايا حلم “الجسد المثالي”
من بين الشهادات الصادمة، التقت “طنجة+” بـ”س.ف”، شابة تبلغ من العمر 21 سنة، كانت تتناول “ديكسون” لمدة 4 أشهر.
تقول الشابة:
“كنت نحيفة جدا، ونصحوني باستعمال ديكسون. زاد وزني بسرعة، وجهي أصبح ممتلئا، لكن بعد أشهر بدأ شعري يتساقط، وأعاني من انتفاخ دائم في القدمين، وصداع متكرر…”
شهادة أخرى لشابة تدعى “لمياء”، أكدت أنها أصيبت بخلل في الدورة الشهرية وتورم في الوجه بعد شهرين فقط من تناول هذا الدواء.
“ذهبت إلى الطبيب، وأخبرني أنني أفسدت جسدي بسبب هذا الدواء الرخيص. بكيت كثيرًا، ولم أكن أعلم أن الأمر بهذه الخطورة
نسخ مهربة تغزو السوق… والمراقبة غائبة
الأخطر، حسب المعطيات التي حصلت عليها “طنجة+”، أن جزءا من عبوات هذا الدواء المتداولة في طنجة ليست مرخّصة من وزارة الصحة المغربية، وتحمل علامات تُشير إلى أنها قادمة من دول آسيوية، خصوصًا الهند والفلبين.
هذه النسخ المهربة تُباع في الأسواق دون أدنى مراقبة، وغالبا ما تكون مخزنة في ظروف غير صحية.

