الهاشم بولعلام// فاعل سياسي
في خضم التحولات الاجتماعية العميقة التي يشهدها المغرب، يبرز الصراع الإيديولوجي بين التيار اليساري والتيار الإسلامي كأحد أبرز ملامح التوتر الثقافي والسياسي الذي لم يترك مجالاً دون أن يترك فيه بصمته. غير أن أخطر ما في هذا الصراع، أنه لم يظل حبيس أروقة البرلمان أو ساحات الجدل الفكري، بل امتد ليضرب في العمق: منظومة الأسرة المغربية.
من جهة، يراهن اليسار على مشروع مجتمعي حداثي، يقطع مع التقاليد ويؤمن بأن التقدم لا يتحقق إلا بتحرير الفرد من القيود الدينية والثقافية، بما في ذلك تحرير المرأة من سلطة الأسرة، والدفع نحو نماذج عيش قائمة على المساواة الكاملة والحريات الفردية. ومن جهة أخرى، يتمسك الإسلاميون برؤية تعتبر الأسرة حصنًا منيعًا للهوية الدينية والأخلاقية، ولا مجال للمساومة فيها، باعتبارها آخر خطوط الدفاع عن القيم الإسلامية الأصيلة.
هذا التجاذب لم يكن نظريًا فقط، بل تمظهر في عدة محطات حساسة، أبرزها النقاش حول مدونة الأسرة، ومسألة المساواة في الإرث، وحرية العلاقات خارج الزواج، وحتى في البرامج التعليمية والإعلامية. والنتيجة؟ أسرة مغربية تعاني من التصدع، وشباب ممزق بين خطابين متناقضين، ونموذج عيش جديد يتشكل على أنقاض النموذج التقليدي، دون وضوح في الاتجاه أو المرجعية.
المفارقة أن كلا التيارين يتحدث باسم “المصلحة العامة”، في حين تتزايد معدلات الطلاق، وتتفكك الروابط الأسرية، ويعيش الآباء والأمهات صراعًا داخليًا حول كيفية تربية أبنائهم، الذين أصبحوا بدورهم أكثر عرضة للتيه القيمي والانفلات السلوكي.
فهل نحن أمام تغير طبيعي في بنية المجتمع، أم أمام تدمير منظم للأسرة باسم التقدم أو الدين؟ وهل الصراع الإيديولوجي مشروع بناء، أم وسيلة تدمير بطيء لما تبقى من استقرار اجتماعي؟
الأسئلة كثيرة، والإجابات ما تزال ضائعة بين خطابات متشددة من الجانبين. أما الأسرة المغربية، فهي تدفع الثمن بصمت، في ظل غياب إرادة حقيقية لبناء نموذج أسري متوازن، يوفق بين الأصالة والانفتاح، ويعيد الاعتبار لمؤسسة يفترض أن تكون مصدر الأمان، لا ساحة للمعارك….
في الختام، ما أحوجنا اليوم إلى لحظة عقلانية جماعية، نتوقف فيها عن تسييس الأسرة، ونبدأ في التفكير في مستقبلها خارج ثنائية “اليسار” و”الإسلاميين”، لأن ما هو على المحك ليس فقط نمط عيش، بل مصير أجيال قادمة ندمر حقها في تقرير المصير.


تعليق واحد
مقال مبدع و جميل