في سياق تكريس الاعتراف بدور مغاربة العالم، واستحضارا لقيمة الكفاءات الوطنية المقيمة بالخارج، نظمت مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية ندوة فكرية ضمن فعاليات مهرجان “ثويزا” بمدينة طنجة، حملت عنوان “في الحاجة إلى كفاءات مغاربة العالم”، واحتضنتها قاعة الندوات صباح اليوم السبت بحضور لافت لشخصيات أكاديمية وسياسية وثقافية من دول أوروبية، شكلت مناسبة لنقاش صريح حول واقع الهجرة المغربية، وإمكانيات إدماج كفاءات المهجر في المشروع التنموي المغربي.
الندوة افتتحت بكلمة لأحمد أبو طالب، العمدة السابق لمدينة روتردام الهولندية، والحاصل على لقب أفضل عمدة في العالم سنة 2021، الذي اعتبر أن الهجرة ساهمت بشكل كبير في تشكيل نسيج المجتمعات الأوروبية، غير أنها باتت تواجه تحديات مركبة.
وعلى الصعيد المغربي، شدد أبو طالب على أن بناء السدود وتشييد البنيات التحتية لا يكفي، ما لم يتم الاستثمار الحقيقي في الكفاءات والطاقات البشرية.
ودعاإلى إشراك مغاربة العالم في مشاريع استراتيجية كبرى تهم مجالات الماء والطاقة والفلاحة، منتقدا في الآن ذاته وضعية النظام التعليمي المغربي الذي وصفه بغير المؤهل لمواكبة رهانات أفق 2050.
من جانبه، توقف الكاتب والصحافي محمد أمزيان، المقيم بهولندا، عند الحاجة إلى الاعتراف بالكفاءات الوطنية الموجودة داخل المغرب قبل الحديث عن تلك الموجودة في الخارج.
ولفت إلى أن الهجرة تحولت في مناطق الريف إلى نمط حياة، داعيا إلى فتح ورش المصالحة مع الذاكرة الجماعية، على غرار ما فعلته بعض الدول الأوروبية بعد تجاربها مع الحروب والنزاعات.
كما حذر أمزيان من التصورات النمطية التي تُروّج حول مغاربة المهجر، والتي قال إنها تخلق تمييزا سلبيا وقطيعة مع الداخل، داعيا إلى بناء روابط مشتركة وتعزيز ورش حقوق الإنسان باعتباره حجر الزاوية لأي تحول حقيقي.
أما سامي أشريرة، الأستاذ الجامعي والفاعل السياسي المقيم بألمانيا، فقدم قراءة سياسية في التحولات العالمية، مبرزا أن أوروبا بدأت تدرك أن مستقبلها مرتبط أكثر فأكثر بإفريقيا، وهو ما ظهّرته بوضوح أزمة كوفيد-19، ومحاولات تقليص التبعية الاقتصادية لآسيا.
وأشار إلى أن المغرب يتوفر على إمكانيات هائلة، غير أن غياب إرادة سياسية واضحة لإشراك كفاءات المهجر، واستمرار النماذج التقليدية في التسيير، يجعلان البلاد تفوّت فرصا تاريخية.
ودعا إلى تبني نماذج قائمة على الابتكار والذكاء الاصطناعي، وتأطير الكفاءات الصاعدة في بلدان المهجر بشكل مبكر.
وفي السياق نفسه، أكدت فاطمة زيبوح، المختصة في العلوم السياسية والمقاولة الاجتماعية ببلجيكا، على الدور الحيوي للثقافة واللغة في مد جسور التواصل بين الشعوب، مشيدة بدور مهرجان “ثويزا” في تعزيز الحوار الثقافي بالمنطقة.
كما شددت على ضرورة تغيير العقليات السائدة داخل المؤسسات، وإعادة الاعتبار لمكانة المرأة في الفضاءين الثقافي والمجتمعي. وتحدثت زيبوح عن تجربتها في بلجيكا، حيث تقود جهود مدينة أمستردام في ملف ترشحها لعاصمة الثقافة الأوروبية لسنة 2030، كما نالت مؤخرا لقب “رائدة السنة ببروكسيل” من مجلة “لوبي” البلجيكية.
بدوره، عبّر الروائي المغربي الهولندي عبد القادر بنعلي عن قلقه من تفشي الإسلاموفوبيا في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، واصفا إياها بأنها جزء من بروباغندا مقصودة.
واستعاد بنعلي بعضا من فصول معاناته كابن مهاجر، قبل أن يبرز أهمية قصص النجاح الفردي في ترسيخ الوعي الجماعي وتعزيز شعور الانتماء، مشيدا بتأثير أدب محمد شكري في تشكيل رؤيته لمدينة طنجة وثقافتها.
الندوة شكلت لحظة تأمل جماعي حول علاقة المغرب بكفاءاته المهاجرة، ودعوة واضحة لتجاوز المقاربة الاختزالية للهجرة، وبناء نموذج تنموي جديد منفتح على طاقات الخارج، دون إغفال الكفاءات المحلية.
وقد خلص المشاركون إلى أن رهان المستقبل لن يتحقق إلا بإرادة سياسية صادقة، ورؤية مندمجة تضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.

