رغم مكانتها كإحدى أكبر المدن المغربية وأكثرها دينامية، لا تزال مدينة طنجة التي تستعد لاحتضان مونديال2030، تعاني من أزمة متفاقمة في التعامل مع فئة المرضى العقليين والمختلين نفسيا، الذين باتوا يتوافدون على المدينة من مختلف مناطق المملكة، في غياب مراكز استشفائية مماثلة بجهة الشمال، ما حوّل المدينة إلى ملجأ إجباري لهؤلاء المرضى، وأصبحت شوارعها مفتوحة على كل الاحتمالات.
الظاهرة التي كانت في وقت سابق معزولة، تطورت اليوم إلى واقع يومي مرعب، بسبب الفراغ القانوني، وغياب رؤية وطنية شاملة، وعجز البنية الصحية المحلية، بل وتحول بعض المرضى إلى خطر مباشر على السلامة الجسدية للمواطنين، كما وقع في عدد من الوقائع الإجرامية التي هزت الرأي العام المحلي.
نفق مسنانة وبئر أحرشون… حين يتحول المريض العقلي إلى قاتل
في السنة الماضية، شهد نفق “مسنانة” بمدينة طنجة حادثة مؤلمة، حين أقدم مختل عقلي على رشق سيارة بحجرة طائشة أصابت السائق مباشرة في الوجه، ما أدى إلى وفاته، في جريمة صادمة هزّت سكان المدينة.
أما بحي “بئر أحرشون” بمنطقة حومة الحداد التابعة لتراب مقاطعة بني مكادة، فقد وقعت جريمة أكثر بشاعة، بعدما أقدم شاب مختل عقليا على قتل والدته وهاجم إخوته بسكين، متسببا في إصابات خطيرة في صفوفهم، وسط ذهول الجيران.
في “مجمع قواسم”، لم يكن الحظ إلى جانب أسرة أخرى، حين أضرم مختل عقلي النار في منزل العائلة، ولولا الألطاف الإلهية لكانوا جميعا في عداد الضحايا.
أما بجماعة اجزناية، فقد قام مختل آخر، هذا الأسبوع، بتخريب منشأة عامة وسط استغراب الساكنة.
من كل المدن.. إلى طنجة
مصادر مطلعة كشفت لموقع “طنجة+” أن طنجة تستقبل يوميا عشرات المختلين عقليا، قادمين من مدن مغربية أخرى، في ظل غياب مراكز للصحة العقلية في باقي أقاليم جهة الشمال، مما يضع الضغط كله على مستشفى الرازي الوحيد.
النتيجة أن المرضى ينتشرون في عدد من الأحياء، منهم من يعيش متشردا، ومنهم من يُدبر أمره بين الجمعيات والمستشفى، لكن أخطرهم من يفلت من أي تتبع طبي أو اجتماعي، ويتحوّل إلى قنبلة موقوتة، قد تزهق أرواحا في لحظة.
كما أن المستشفى (بحسب شهادات عدد من الأسر) لا تستطيع توفير الرعاية اللازمة للمرضى، إذ مرارا يتم السماح لهم بالخروج، وبالتالي تعريض حياة المواطنين للخطر.
مستشفى الرازي… من عهد الاستعمار إلى 2025
مصادر مهنية كشفت لموقع “طنجة+” أن مستشفى الرازي للأمراض العقلية لا يزال يعتمد على بنية تحتية تعود إلى حقبة الاستعمار الفرنسي، حيث تم إنشاؤه لاستيعاب ساكنة لا تتجاوز 100 ألف نسمة، أما اليوم، فطنجة تحتضن أزيد من مليون نسمة، دون أن تتطور الطاقة الاستيعابية للمستشفى.
المصادر ذاتها أوضحت أن المستشفى لا يتوفر سوى على 75 سريرا، في حين أن نسبة الإشغال تفوق 300%، مما يضطر الأطباء إلى رفض استقبال بعض الحالات أو اللجوء إلى حلول ترقيعية، دون القدرة على التكفل الفعلي بالحالات الصعبة أو المزمنة.
والأخطر، بحسب المصادر، هو عدم توفر المستشفى على قسم مختص بالأمراض العضوية، ما يجبر الأطر الطبية على إحالة المرضى العقليين الذين يعانون من مشاكل صحية أخرى على المستشفيات العامة، حيث يتم دمجهم مع مرضى عاديين، مما يخلق خطرًا كبيرًا داخل المصحات، نظرا لتصرفات هؤلاء غير المتوقعة.
اتفاقية بتكلفة 16 مليون درهم… لا تزال تنتظر
ورغم توقيع اتفاقية لتوسعة مستشفى الرازي بطنجة، إلا أن المشروع لا يزال حبيس الرفوف، ولم يبارح بعد مرحلة الوعود.
ووفق معطيات دقيقة حصل عليها موقع “طنجة+”، فقد تم تخصيص غلاف مالي إجمالي قدره 16 مليون درهم لإنجاز المشروع خلال سنتي 2024 و2025.
الاتفاقية تمولها ثلاث جهات: مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة بـ8 ملايين درهم، وجماعة طنجة بـ6 ملايين درهم، في حين تساهم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بمليوني درهم موجهة للتجهيزات.
ويُفترض أن تُسهم هذه الاتفاقية في رفع الطاقة الاستيعابية للمستشفى، وتطوير بنيته التحتية، وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمرضى النفسيين والعقليين، إلى جانب توفير المعدات الطبية والمكتبية، وتوسعة المرافق، وتعزيز الموارد البشرية، وتجويد آليات التدبير والتسيير.
غير أن كل هذه الأهداف لا تزال حبيسة بنود الاتفاق، في وقتٍ تواصل فيه المدينة استقبال مزيد من الحالات دون تغطية صحية كافية، وبموارد بشرية منهكة لا تواكب حجم الطلب المتزايد.
خصاص كبير في الأطر
وفي تصريح خاص لموقع “طنجة+”، أكد سعيد بوذا مندوب وزارة الصحة بعمالة طنجة-أصيلة أن مشروع توسعة مستشفى الرازي سائر في طريقه نحو التنفيذ، لكنه اعترف بوجود خصاص كبير في الموارد البشرية، خاصة الأطباء النفسانيين والممرضين، وهو ما يعرقل أي تحسن في العرض الصحي الموجه للأمراض النفسية والعقلية.
المسؤول أشار إلى أن الوزارة تعمل بتنسيق مع باقي المتدخلين لتعزيز القدرات الطبية للمستشفى، لكن واقع الحال، بحسب مهنيين في القطاع، يشير إلى فجوة حقيقية بين التصريحات والواقع اليومي للمؤسسة.
برلماني يقر: الوضع كارثي والقانون متجاوز منذ 1959
من جهته، أكد عبد القادر الطاهر، النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن الوضعية الصحية للمستشفيات النفسية بالمغرب “كارثية بكل المقاييس”، مشيرا إلى أن عدد الأسرة لا يتجاوز 1725 سريرًا على المستوى الوطني موزعة على 27 مؤسسة فقط، وهو رقم لا يعكس حجم الطلب ولا خطورة الوضع.
بنطاهر أوضح لصحيفة “طنجة+” أن الأطر المتخصصة لا تمثل سوى أقل من 1% من مجموع مهنيي الصحة بالمغرب، كما نبه إلى أن الإطار القانوني المنظم للصحة النفسية يعود إلى سنة 1959، ولم يعد يلائم لا تطورات الطب الحديث، ولا توجهات منظمة الصحة العالمية، ولا حتى مبادئ حقوق الإنسان.

