كشف الدكتور محمد عزيز الطويل، الباحث في التاريخ والحضارة، عن ستة أخطاء تاريخية جسيمة وردت في النص التعريفي المنشور على الموقع الرسمي للجماعة، والذي يُفترض أن يعكس عراقة المدينة وتاريخها العميق، لا أن يساهم في طمس معالمه وتشويه ذاكرته.
الدكتور الطويل اعتبر أن النص الحالي لا يرقى إلى مستوى مدينة من حجم طنجة، ولا يليق بجماعة تتوفر على مستشارين إعلاميين ومشرفين يُفترض فيهم تقديم محتوى رصين ودقيق، يُبرز الدور الحضاري للمدينة عبر العصور، ويكون مرجعا للزوار والباحثين على حد سواء.
وأكد الباحث أن الاستهانة بالمعلومة التاريخية لا تسيء فقط للمؤسسة، بل تمس هوية المدينة وساكنتها، وتتناقض مع المكانة الدولية التي تسعى الجماعة إلى ترويجها من خلال انخراطها في عدد من المحافل المتوسطية والدولية.
وأول الأخطاء التي رصدها الطويل، يتعلق بالتسلسل الزمني للحضارات التي تعاقبت على المدينة، حيث أشار النص إلى أن الوندال سكنوا طنجة قبل الرومان والفينيقيين، وهو ما يناقض الحقائق التاريخية، على اعتبار أن الوندال لم يدخلوا إلى شمال إفريقيا إلا في القرن الخامس الميلادي، أي بعد الفينيقيين والقرطاجيين والرومان.
واستنادا إلى المصادر التاريخية، فإن طنجة تأسست من طرف الفينيقيين، وتناوب على حكمها القرطاجيون، ثم الرومان، فالوندال، وأخيرا البيزنطيون.
أما الخطأ الثاني فيرتبط بتاريخ الفتح الإسلامي، حيث ورد في نص الجماعة أن الفتح تم سنة 711م، وهو التاريخ المرتبط في الواقع بعبور طارق بن زياد إلى الأندلس، في حين أن الفتح الإسلامي لمدينة طنجة جرى على يد موسى بن نصير حوالي سنة 702م، أي قبل ذلك بتسع سنوات.
وفي ما يخص الحقبة الاستعمارية، أشار نص الجماعة إلى أن طنجة كانت تلعب دورا تجاريا بين البرتغال والعرب سنة 1471، وهو تزييف للواقع التاريخي، إذ أن السنة المذكورة شهدت سقوط المدينة في يد الاستعمار البرتغالي، ولم يكن الأمر يتعلق بأي نوع من التبادل التجاري.
كما أن إنجلترا لم تستولِ على المدينة بسبب أهميتها الاقتصادية، بل حصلت عليها سنة 1661 ضمن شروط زواج الملك الإنجليزي تشارلز الثاني من الأميرة البرتغالية كاثرين. واستمرت السيطرة الإنجليزية إلى حدود سنة 1684، حين تمكن السلطان المغربي مولاي إسماعيل من استرجاع المدينة بعد حصار طويل.
واعتبر الطويل أن القول بتحول طنجة إلى مرفأ للسفن بسبب القراصنة، هو تبسيط ساذج للمسألة، بل وتضليل للرأي العام، لأن ما عُرف بالجهاد البحري في تلك الفترة كان نتيجة لضعف السيطرة المركزية، وليس سببا في نشوء الميناء أو تطوره.
كما فند الباحث ما ورد في النص بشأن تدويل المدينة، حيث أشار الموقع إلى بروتوكول دولي بين 1911 و1912، وهو غير موجود في السجلات التاريخية، مؤكدا أن التدويل بدأ رسميا سنة 1923 بعد توقيع معاهدة النظام الأساسي لمنطقة طنجة الدولية، وتم تعديله سنة 1928 بضم إيطاليا ومنح امتيازات إضافية لإسبانيا. كما أن المدينة خضعت للاحتلال الإسباني سنة 1940 مع بداية الحرب العالمية الثانية، وليس سنة 1956 كما ورد خطأ في نص الجماعة، قبل أن يعود إليها النظام الدولي سنة 1945.
أما الطامة الكبرى، في نظر الباحث، فهي تغييب تام للفترات الذهبية التي عاشتها المدينة في ظل المرابطين والموحدين خلال القرنين 11 و12، حيث تحولت طنجة حينها إلى مركز علمي وتجاري واستراتيجي، يربط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ويشكل معبرا حضاريا بين المغرب والأندلس.
وختم الدكتور محمد عزيز الطويل ملاحظاته بالتنبيه إلى أهمية تحيين المحتوى المنشور على بوابة جماعة طنجة، بما ينسجم مع الطفرة التنموية الكبرى التي تشهدها المدينة في عهد جلالة الملك محمد السادس، حيث تحولت إلى منصة لوجستيكية كبرى، وواجهة حضارية ذات امتداد مغاربي ومتوسطي وإفريقي وأوروبي. وهو ما يستدعي من القائمين على الموقع الرسمي للجماعة التحلي بالمسؤولية والجدية، والحرص على تقديم مادة معرفية تحترم التاريخ، وتصون ذاكرة مدينة تستحق أن تُروى بصدق لا بتسرّع أو جهل.
وبحسب الطويل فإنه من غير المقبول، أن تواصل جماعة طنجة تقديم مادة تعريفية تفتقد إلى الدقة الأكاديمية والمعرفة العلمية، في وقت تحاول فيه المدينة ترسيخ صورتها كقطب استراتيجي، وثقافي، وسياحي، يستهوي الباحثين والمستثمرين والمهتمين بتاريخ المنطقة.
الخطورة الأكبر، كما يرى المتتبعون، لا تكمن فقط في الأخطاء التقنية، بل في الصورة المشوشة التي قد تُرسم لطنجة لدى الزوار أو الباحثين الذين يعتمدون على البوابة الرسمية كمصدر أولي للمعلومة، وهو ما من شأنه إضعاف الرأسمال الرمزي والثقافي للمدينة، الذي لا يقل أهمية عن مشاريعها الكبرى وأوراشها الاقتصادية العملاقة.
في المقابل، يرى كثيرون أن ما أثاره الدكتور الطويل يجب أن يشكل فرصة للمراجعة والتصحيح، وليس سببا للتهرب من المسؤولية. فطنجة التي تستعد للاحتفاء بقرون من التاريخ، وتتباهى بانفتاحها الجغرافي على الفضاء المتوسطي، لا تستحق أن تُختزل في نص ركيك، ولا أن يُسقط من ذاكرتها محطات مضيئة شكّلت رافعة لتحولاتها الكبرى.

