رسميا، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن أيوب بوعدي قرر تمثيل المنتخب المغربي، واضعا حدا للجدل الكبير الذي أحاط بمستقبله الدولي خلال الأشهر الماضية بين المغرب وفرنسا.
وجاء هذا القرار بعد فترة طويلة من التكهنات، خاصة أن موهبة ليل الفرنسي كان قد صرح قبل أسابيع فقط بأنه لم يحسم اختياره النهائي بعد، ما أبقى الباب مفتوحا أمام إمكانية تمثيل المنتخب الفرنسي.
لكن الجامعة المغربية نجحت في النهاية في إقناع أحد أبرز مواهب خط الوسط الصاعدة في أوروبا بحمل قميص أسود الأطلس، في خطوة تعتبر مكسبا مهما لمستقبل المنتخب المغربي.
وبين هذه المعطيات، يواصل بوعدي فرض نفسه واحدا من أبرز المواهب الشابة في أوروبا، لاعبا لا يلفت الانتباه فقط بموهبته، بل أيضا بنضجه التكتيكي المبكر وقدرته على التحكم في إيقاع اللعب كأنه لاعب أكبر بكثير من عمره.
- من هو اللاعب أيوب بوعدي وما هو أسلوبه التكتيكي؟
بوعدي، المولود في 2 أكتوبر 2007 بمدينة سنليس الفرنسية، يشق طريقه بثبات لافت منذ أيامه الأولى في أكاديمية ليل التي التحق بها عام 2021، قبل أن يوقع أول عقد احترافي له مع النادي في أغسطس 2023.
ثم جاء تجديد عقده حتى عام 2029 في ديسمبر 2025 ليؤكد أن ليل يراه أحد أهم أصوله المستقبلية، ويضعه في موقع تفاوضي قوي أمام أي اهتمام خارجي.
وما زاد من قيمته التسويقية والفنية هو ظهوره التاريخي أمام ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا، يوم عيد ميلاده السابع عشر، وهي المباراة التي كشفت عن لاعب يتميز بالهدوء والانضباط والقدرة على فرض نفسه تدريجيا في وسط الميدان.
لكن قيمة بوعدي لا تتوقف عند عمره أو موهبته، بل تمتد إلى طريقة لعبه داخل الملعب. فهو من نوعية لاعبي الوسط الذين ينظر إليهم اليوم باعتبارهم صناع إيقاع أكثر من كونهم مجرد أسماء في خط المنتصف. يتحرك بوعدي كقلب بناء اللعب، ينزل أحيانا قرب قلبي الدفاع لبدء الهجمة، ويخلق زوايا تمرير للخروج من الضغط، ويفضل دائما التحكم في الرتم بدل اللعب العشوائي السريع.
لهذا السبب يصنف كثيرا كلاعب وسط محوري حديث، يعتمد على الرؤية والتمرير والهدوء تحت الضغط أكثر من اعتماده على الجري المتواصل أو الاندفاع البدني.
وتشير البيانات إلى أن دقة تمريراته في المنافسات القارية تقارب 90 في المئة، وهو رقم مرتفع جدا للاعب في هذا العمر، خصوصا في مباريات قوية.
كما أن تحركاته تكشف لاعبا يفهم أين يتمركز ومتى يطلب الكرة، وكيف يفتح زوايا اللعب لتسهيل خروج فريقه من الضغط. هو ليس لاعب BOX TO BOX بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى لاعب يقرأ المباراة من الخلف ويبدأ البناء بذكاء، مع قدرة على كسر خطوط الخصم بتمريرات عمودية دقيقة حين تسمح المساحة بذلك.
وفي الجانب الدفاعي، لا يعتمد بوعدي على القوة البدنية الخشنة بقدر ما يعتمد على التوقيت والقراءة المسبقة للهجمة. صحيح أن بنيته الجسدية ما زالت في مرحلة التطور، لكنه يمتلك تدخلات ذكية، وانضباطا تكتيكيا واضحا، وقدرة على قطع خطوط التمرير والتدخل في الوقت المناسب.
هذه الصفات تجعل منه لاعب ارتكاز عصريا بامتياز، يناسب كرة القدم الحديثة التي تتطلب لاعبا قادرا على حماية الاستحواذ بقدر قدرته على استعادته.
ولذلك لم يكن غريبا أن يدخل بوعدي دائرة اهتمام كبار أوروبا. فقد أشارت تقارير إلى اهتمام أرسنال بخدماته، مع تقديرات بأن أي صفقة بعد تجديد عقده قد تتجاوز 40 مليون جنيه إسترليني، في حين تحدثت تقارير أخرى عن ضغط متواصل من باريس سان جيرمان من أجل استعادته.
هذه الأسماء الكبيرة لا تلاحق لاعبا شابا بهذه الصورة إلا عندما ترى فيه مشروعا طويل المدى، قادرا على التطور ليصبح قطعة أساسية في أعلى المستويات.
أما من حيث الأسلوب، فيجعل حضوره البعض يقارنه بنسخ شابة من ماركو فيراتي، أو رودري من ناحية التحكم في الإيقاع، أو حتى وارن زاير إيمري من حيث النضج المبكر في وسط الميدان. لكن بوعدي يحتفظ بشخصية مختلفة أكثر هدوءا، وأكثر اعتمادا على التمرير والتنظيم، وأقل ميلا إلى الاستعراض. هو لاعب يربح من خلال الفهم، لا من خلال الضجيج.
في النهاية، لا يبدو أيوب بوعدي مجرد موهبة صاعدة، بل مشروع لاعب وسط متكامل تكتيكيا، وإذا استمر تطوره الفني والبدني بهذا النسق، فقد يكون واحدا من أبرز لاعبي الوسط في أوروبا خلال السنوات المقبلة، وربما أحد الأسماء التي ستشكل حاضر كرة القدم المغربية ومستقبلها.

