ليس أصعب على المواطن من أن يجد نفسه ضحية “تضارب” بين خطاب رسمي يزف تطمينات الوفرة، وواقع ميداني يصفعه بزيادات صاروخية قبل موعدها المعلن.
ما حدث ليلة 15 مارس في محطات الوقود بمدينة طنجة والمغرب بصفة عامة، يتجاوز كونه مجرد تقلب في الأسعار الدولية بسبب الظرفية الجيوسياسية الراهنة، ليتحول إلى “أزمة ثقة” حقيقية في قدرة المؤسسات على ضبط إيقاع السوق وحماية المستهلك.
لقد أكدت وزيرة الانتقال الطاقي ليلى بنعلي يوم 5 مارس على القناة الرسمية الثانية، في خرجة إعلامية لم يجف حبرها بعد، أن المخزون الوطني للمحروقات يكفي لشهر أو شهرين، وهو تصريح كان من المفترض أن يمنح المغاربة “وسادة أمان” اقتصادية ولو ظرفية، لا أن يليه مباشرة قرار بزيادة قياسية تصل لدرهمين في اللتر الواحد.
وهنا نطرح السؤال الجوهري: إذا كان المخزون كافيا وموجودا بالفعل في الخزانات الوطنية، فلماذا تم تسعيره فورا وفق تقلبات اللحظة في الأسواق الدولية؟ أليس دور “المخزون” هو امتصاص الصدمات وتأخير أثرها على جيب المواطن؟
إن هذه المفارقة تضع سياسة “تحرير قطاع المحروقات” بأكملها تحت مجهر المساءلة، فمنذ اتخاذ هذا القرار، بدا وكأن الحكومة تخلت عن دورها “كحكم” لتترك المواطن وجها لوجه أمام جشع التوافقات الضمنية بين شركات التوزيع، في غياب شبه تام لآليات زجرية من طرف مجلس المنافسة.
لقد تحول “التحرير” من وسيلة لضبط السوق إلى “درع” تتحصن خلفه الشركات لرفع الأسعار فورا عند الصعود، والتباطؤ في خفضها عند النزول، مما يجعل من شعار “المنافسة الحرة” مجرد واجهة لتعظيم الأرباح على حساب السلم الاجتماعي.
والأدهى من “صدمة الثمن” كان هو “ارتباك التنفيذ”؛ فبينما ضُبطت عقارب الساعة على منتصف الليل كشرط قانوني لبدء العمل بالأسعار الجديدة، تفاجأ سائقون في مدن مغربية بينها طنجة، بتغيير لوحات الأسعار قبل الموعد بساعتين أو ثلاث.
هذا “السطو الزمني” لا يسيء فقط لسمعة شركات التوزيع، بل يكشف عن ضعف في آليات المراقبة الميدانية، ويجعل من “ساعة الصفر” مجرد حبر على ورق أمام تغول المحطات.
إن ما نحتاجه اليوم هو “يقظة أخلاقية وقانونية” تعيد الهيبة للقرار الرسمي، وتضع حدا لمسلسل استنزاف جيوب المغاربة تحت غطاء “التحرير” والظرفية الدولية، فالثقة التي تُفقد في لحظة غلاء، قد لا تستعيدها سنوات من الوعود.

