في كل رمضان، تطفو على سطح اليوميات المغربية ظاهرة “الترمضينة”؛ وهو المصطلح الشعبي الذي يلخص حالة التوتر العصبي والمشادات الكلامية التي تنفجر في الفضاءات العامة.
ورغم أن الشهر الفضيل يرتكز في جوهره على قيم التقوى وضبط النفس، إلا أن المشهد الميداني، خاصة في الساعات التي تسبق الإفطار، يتحول أحيانا إلى “ساحة صراع” تغيب فيها السكينة وتحضر فيها الحدة، التي قد تصل في حالات معزولة إلى ارتكاب جرائم واعتداءات جسدية؛ وهو الأمر الذي بات مألوفا لدى الكثيرين.
تشريح سوسيولوجي “للترمضينة”
وفي محاولة لتفكيك هذه الظاهرة من زاوية علمية، أكد الدكتور خالد التوزاني، الأستاذ الباحث بجامعة مولاي إسماعيل ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، في تصريح خاص لصحيفة “طنجة+”، أن “الترمضينة” ليست مجرد سلوك فردي معزول، بل هي ظاهرة اجتماعية “كلية” تتقاطع فيها تمثلات الدين بضغوط الاقتصاد وبيولوجيا الجسد.
وأوضح التوزاني أن فهم هذه الحركية يقتضي رصد مختلف المتغيرات بعيدا عن الأحكام الجاهزة، مشيرا إلى أن التغيرات الفيزيولوجية الناتجة عن نقص السكر والكافيين والنيكوتين تضع الصائم في حالة “هشاشة نفسية” تجعل من المثيرات التافهة محفزات لردود فعل هجومية.
ضغط الفضاء العام وصراع “الكرامة والرجولة” المتوهمة
وبالانتقال إلى رصد تفاعلات الشارع، تبرز الدقائق التي تسبق الأذان كذروة لهذا الاحتقان؛ حيث يضيق الفضاء الجغرافي بآلاف المتسوقين والسائقين، مما يرفع آليا من احتمالية التصادم.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور التوزاني أن هذا التكدس يولد “احتقانا داخليا يبحث عن منافذ للتفريغ”، وغالبا ما يكون هذا المنفذ هو المشادة الكلامية.
وشدد الباحث على خطورة غياب “ثقافة المواطنة”، حيث يُنظر إلى الفضاء العام كساحة للمواجهة وإثبات “الرجولة” أو “الكرامة” عند أول احتكاك مروري، بدلا من كونه ملكا مشتركا يتطلب الاحترام المتبادل.
البعد الاقتصادي: مائدة الإفطار كعبء نفسي
وعلى صعيد آخر، لم يغفل التوزاني الربط بين التوتر العصبي والنمط الاستهلاكي للمغاربة؛ فبينما تدعو فلسفة الصيام إلى التقليل من الطعام، يغرق الواقع في “هوس الاستهلاك” لتأثيث مائدة الإفطار.
هذا التناقض يضع رب الأسرة تحت ضغط مالي كبير، يترجم لاحقا على شكل توتر عصبي يظهر بوضوح في الأسواق.
واعتبر التوزاني أن هذا المسلك يكشف عن “خلل في فهم فلسفة الصيام”، حيث طغت الطقوس الشكلية المرتبطة بالأكل واللباس على الجوانب الروحية والقيمية.
التواصل غير اللفظي و”مشروعية المعاناة”
وفي قراءة نفسية موازية، أشار التوزاني إلى أن “الترمضينة” تمثل أحيانا شكلا من أشكال التواصل غير اللفظي؛ إذ يحاول الفرد، من خلال إظهار غضبه، إرسال رسالة للمجتمع مفادها: “أنا صائم وأعاني، فاحترموا معاناتي”.
ويرى التوزاني أن ذلك يمثل محاولة لاكتساب “مشروعية اجتماعية” تجعل من التعب والغضب دليلا يتوهم صاحبه أنه يثبت صدق صيامه وصعوبة حياته.
وفي سياق البحث عن سبل الحد من هذه الظاهرة، شدد الدكتور خالد التوزاني، في تصريحه لصحيفة “طنجة+”، على ضرورة تجاوز المقاربات الوعظية التقليدية، والانتقال نحو مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والتربوية.
وفي هذا الإطار، يرى التوزاني أن جزءا من الحل يرتبط بإعادة التفكير في هندسة الفضاء العام، من خلال اعتماد تفاوت في توقيت الخروج من العمل بين القطاعات، بما يساهم في تقليل حدة الازدحام الذي تشهده المدن قبيل موعد الإفطار.
ومن جهة أخرى، يبرز البعد التربوي كعنصر أساسي في معالجة الظاهرة، وذلك عبر إدماج مفاهيم “الذكاء العاطفي” في المدرسة والإعلام والخطاب التوعوي، بما يرسخ فكرة أن نجاح الصيام لا يقاس فقط بالامتناع عن الطعام والشراب، بل أيضا بالقدرة على ضبط النفس والتحلي بالهدوء في الفضاء العام.
كما يؤكد التوزاني على أهمية تعزيز الوعي الاستهلاكي لدى الأسر، وتشجيع ثقافة الاستهلاك الواعي خلال شهر رمضان، بهدف تقليل الضغوط المالية التي قد تتحول إلى توتر عصبي ينعكس في السلوك اليومي.
وهكذا تبقى “الترمضينة” مرآة تعكس التوتر القائم بين القيم الروحية التي يحملها شهر رمضان وضغوط نمط العيش المعاصر، مما يجعل من هذا الشهر اختبارا سنويا ليس للأمعاء فحسب، بل أيضا لقدرة المجتمع على ترسيخ ثقافة السلم المدني واحترام الفضاء العام.

