تعيش الأسر المغربية خلال شهر رمضان الجاري على وقع مفارقة اقتصادية حادة، حيث تحول “شهر الرواج” إلى موسم للركود التجاري غير المسبوق، مدفوعا بانهيار حاد في القدرة الشرائية وتصاعد تكاليف المعيشة التي لم تعد تتماشى مع المداخيل الثابتة للمواطنين.
وكشف مصطفى بن عبد الغفور أحد التجار وعضو فى غرفة التجارة والصناعة والخدمات بجهة طنجة، إلى أن قرابة 77% من المغاربة يستشعرون تراجعا ملموسا في مستوى معيشتهم إذ سجلت المصاريف المرتبطة بالشهر الفضيل زيادة قياسية تراوحت بين 30 و50% مقارنة بالشهور العادية، وهو ما أدى إلى ارتباك واضح في الميزانيات الأسرية التي باتت تعجز عن مسايرة ارتفاع أسعار الخضر والفواكه واللحوم بنسب وصلت إلى 30%، رغم تطمينات الجهات الرسمية بوفرة العرض في الأسواق.
وأضاف أن هذا الوضع القاتم أرخى بظلاله على الحركة التجارية، فبعدما كان التجار يراهنون على رمضان لإنعاش خزائنهم، وجدوا أنفسهم أمام “كساد” طال حتى قطاع الملابس التقليدية والمواد الأساسية، حيث أضحى المستهلك المغربي ينهج سياسة “الأولويات القصوى”، مقتصرا على الضروريات ومقلصا للكميات إلى حدودها الدنيا.
ويقول بن عبد الغفور أن مدينة طنجة، القطب الاقتصادي الشمالي للمملكة، يمثل كنموذج صارخ لهذا “التناقض الاقتصادي”؛ فبالرغم من الاكتظاظ المروري الذي تشهده شوارع “عروس الشمال”، إلا أن جولة بسيطة في أسواقها تكشف عن حقيقة مغايرة، حيث تغيب “الحرارة التجارية” عن المحلات، ويعيش التجار الصغار حالة من القلق جراء تراكم الالتزامات المالية والديون، مؤكدين أن “الزحمة” في الشوارع لا تترجم إلى عمليات بيع وشراء فعلية.
وفي المقابل، تواجه الحكومة انتقادات لاذعة بسبب ما يصفه مراقبون بـ”الاكتفاء بالمراقبة عن بعد”، والتركيز على خطاب “وفرة التموين” الذي لا يلامس الواقع اليومي للمواطن. كما يرى فاعلون اقتصاديون أن وزارة التجارة المعنية بتدبير السوق الداخلي ظلت “خارج السياق”، منشغلة بتصريحات وُصفت بـ”غير الموفقة” وشراكات شكلية مع جمعيات حماية المستهلك، عوض البحث عن حلول هيكلية لحماية التاجر الصغير والمستهلك من مخالب الغلاء.
ويجمع متابعون للشأن الاقتصادي على أن رمضان 2026 كشف “هشاشة” الوضع الاجتماعي بالمغرب، حيث وضعت الأرقام الصادمة الحكومة أمام تساؤلات حارقة حول جدوى سياساتها في ظل ضغط مالي غير مسبوق على الأسر، وركود تجاري يهدد السلم الاجتماعي ويفتح الباب أمام مزيد من التوتر في القادم من الأيام.

