شهدت رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، أمس السبت، تنظيم ورشة علمية تمحورت حول موضوع؛ “التغيرات المناخية ورهان تحقيق الأمن المائي بالمغرب”.
الندوة التي عرفت مشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والطلبة الباحثين، شكلت منصة للتشخيص الاستراتيجي لواقع الموارد المائية في ظل التحولات المناخية المتسارعة، ومناسبة لمساءلة النجاعة القانونية والمؤسساتية في مواجهة مخاطر الندرة والفيضانات على حد سواء.
واستُهلت أشغال الورشة بعرض الشريط الوثائقي “رزق من ورد”، بحضور مخرجته مونية الكومي، والذي قدم مقاربة بصرية لواقع الموارد الطبيعية بالأخص خلال السنوات الأخيرة التي عرفت جفافا حادا في عدد من مناطق المملكة، ليعقب ذلك مداخلة تأطيرية لرئيس الجلسة، الدكتور أحمد نقوب، أستاذ القانون العام بسطات.
وأكد نقوب على راهنية الموضوع وتصاعد أهميته عالميا ووطنيا، مشيرا إلى “أزمة المسؤولية” في القانون الدولي؛ إذ لفت إلى التناقض “الصارخ” بين تسبب الدول المتقدمة في الاحتباس الحراري وتحمل دول العالم الثالث؛ ومنها المغرب، للتبعات.
كما ركز نقوب على ضرورة الانتقال من “تدبير الندرة” إلى “تدبير الوفرة”، منبها إلى إشكالية توحل السدود التي تقلص سعتها التخزينية وتفاقم مخاطر الفيضانات.
وفي ذات السياق، قدم الدكتور سعيد شكري، الخبير في قضايا البيئة، رؤية نقدية اعتبر فيها التغير المناخي “قضية اقتصادية صرفة” تصطدم فيها الاتفاقيات الدولية بالمصالح الكبرى.
ونبه شكري إلى أن الطموحات الوطنية المغربية، رغم قوتها التشريعية منذ مخطط 2009، تظل تعيش تخبطا حقيقيا عند التنزيل الميداني.
كما فسر الخبير الميكانيزمات العلمية التي أدت للتساقطات العنيفة الأخيرة، موضحا أن ارتفاع الغازات الدفيئة وسخونة مياه البحار أدت إلى ظواهر جوية غير مسبوقة تسببت في فيضانات مهولة، وهو ما يفرض تحديات قانونية واجتماعية جديدة تتعلق بـ “الهجرة المناخية”.
وعلى صعيد التشخيص الميداني، توقفت الباحثة أسماء خرخر عند حالة “الإجهاد المائي” الحاد التي يعيشها المغرب وفق تقارير البنك الدولي، مشددة على أن التساقطات الأخيرة لا تعني الخروج من مرحلة الخطر.
وانتقدت خرخر المقاربات الحالية معتبرة إياها “إجراءات تدبير أزمة” وليست “تكييفا بنيويا”، داعية إلى تعزيز العدالة المجالية في توزيع المياه وتعميم تقنيات إعادة استخدام المياه العادمة والربط بين الأحواض المائية لتفادي الكوارث.
ومن زاوية اجتماعية، ربط الباحث عبد الكريم العلمي التيدي بين الحماية الاجتماعية والقدرة على الصمود المناخي، مؤكدا أن تعميم الحماية الاجتماعية هو المدخل الأساسي لتمكين المواطنين من “امتصاص الصدمات المناخية” وتعويض المتضررين، معتبراً أن الدول التي تفشل في إرساء نظام حماية اجتماعية متين ستعجز بالضرورة عن تدبير التغيرات المناخية.
وفي الشق القانوني الإجرائي، ركزت الباحثة فرح أولاد مسعود على نظام التراخيص والامتيازات في القانون 36.15، معتبرة إياه آلية استشرافية لحماية الثروة المائية من الهدر.
وأوضحت أن انتعاش حقينة السدود بالشمال “96%” لا يعني التراخي في منح التراخيص، بل يفرض على وكالات الأحواض المائية دورا رقابيا أشد صرامة لضبط “الاستخدام المعقلن” ومنح الأولوية للحاجيات القصوى.
وبقراءة نقدية لنجاعة النصوص، استعرض الباحث أنس الخمال قصور الترسانة القانونية في مواجهة “فاجعة القصر الكبير”، متسائلا عن مدى قدرة القانون 36.15 على الانتقال من “منطق الفجعة” إلى “منطق الاستباق”.
وأكد الخمال أن الممارسة الميدانية كشفت عن ثغرات هيكلية تجعل النص القانوني عاجزا عند أول اختبار حقيقي للكوارث المائية.
واختتمت المداخلات بعرض للباحث عمار عبد الله حول الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة “قانون 12.99″، حيث استعرض التطور المؤسساتي للمغرب والتوجهات الملكية التي جعلت من البعد البيئي ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الوطنية، مؤكدا أن التنمية المستدامة لم تعد ترفا بل ضرورة لوجود الإنسان واستمرارية موارده.
وخلصت الورشة إلى توصيات هامة تدعو في مجملها إلى ضرورة تحيين الممارسات التدبيرية لتتلاءم مع الطوارئ المناخية، وتفعيل الدور الرقابي لوكالات الأحواض المائية، مع الاستثمار في البنية التحتية والحلول التكنولوجية لضمان سيادة مائية مستدامة.

