اختار فرع الحزب الاشتراكي الموحد بطنجة الركون إلى الصمت واعتناق سياسة “الهروب إلى الأمام”، بدل عقد ندوة صحافية وعد بها الرأي العام قبل أيام قليلة، وذلك على خلفية ملف العزل الذي يواجهه كاتبه الإقليمي ومستشاره الجماعي، زكرياء أبو النجاة، بسبب ما بات يعرف بـ”تضارب المصالح”.
وكشفت مصادر مطلعة لـ”طنجة+” أن البيت الداخلي لحزب “الشمعة” بعاصمة البوغاز يعيش على صفيح ساخن، عكسته لغة البلاغات المتضاربة والقرارات “المرتجلة” التي انتقلت، في ظرف عشرة أيام فقط، من لغة التصعيد والوعيد بكشف “المؤامرة”، إلى لغة المهادنة وفرض الصمت على “المناضلين”.
من “كشف الحقيقة” إلى “الرأس في الرمل”
المتتبع لمسار هذا الملف سيقف مشدوها أمام التغير “الراديكالي” في موقف الحزب.
ففي الـ 10 من يناير 2026، خرج المكتب الإقليمي ببلاغ “ناري”، يصف فيه تحركات السلطة الولائية بـ”تكميم الأفواه”، معلنا التحدي عبر برمجة ندوة صحفية بتاريخ 21 يناير، وعد فيها بتوضيح “حيثيات الملف وتداعياته السياسية والتنظيمية”، في إشارة فُهمت حينها على أن الحزب يمتلك معطيات قد تقلب الطاولة.
لكن، وقبل 24 ساعة فقط من الموعد المنتظر، خرج مجلس الفرع ببلاغ جديد بتاريخ 20 يناير، نسف فيه كل الوعود السابقة، فلا ندوة عُقدت، ولا حقائق كُشفت.
بل الأخطر من ذلك، أن الحزب الذي كان يشتكي من “تكميم الأفواه” الخارجي، مارس هو نفسه “تكميم أفواه” داخليا على مناضليه، مهيبا بهم “الامتناع مؤقتا عن الإدلاء بأي تصريحات أو مواقف صحفية”، في خطوة وصفها متابعون للشأن المحلي بـ”سياسة النعامة” التي تفضل دفن الرأس في الرمل بدل مواجهة عاصفة الاستفسار القانوني التي وجهها الوالي التازي.
هل تخلى الحزب عن مستشاره؟
إلغاء الندوة الصحفية والتراجع عن التصعيد الإعلامي قد يُقرأ على أنه اعتراف ضمني بصعوبة الموقف القانوني للمستشار أبو النجاة، الذي حاصره استفسار السلطة حول “تضارب المصالح”.
ورغم أن البلاغ الأخير حاول تغليف الموقف بعبارات التضامن السياسي واعتبار ما يجري “تأويلا خبيثا للقانون”، إلا أن السلوك الميداني للحزب يشير إلى رغبة في تجنب التصادم المباشر مع السلطات، وربما البحث عن “مخارج آمنة” بعيدا عن الأضواء.
التناقض الصارخ بين الدعوة لـ”فضح الفساد” في البلاغ الأول، والدعوة لـ”الصمت والانتظار” في البلاغ الثاني، يطرح أكثر من علامة استفهام حول ما دار في الكواليس.
فهل تلقى المكتب المحلي توجيهات “فوقية” من القيادة المركزية بالدار البيضاء لتهدئة اللعب؟ أم أن الملف القانوني للمستشار لا يحتمل “البهرجة الإعلامية” التي قد تعقد وضعيته أمام المحكمة الإدارية؟
اختلاف المواقف
مصادر مطلعة لم تستبعد اختلاف المواقف داخل الحزب، بين من يعتبر أن ملف أبو النجاة “استهداف سياسي”، ومن يعتبره “سقطة أخلاقية” لحزب يحارب الريع وتضارب المصالح.
وتضيف المصادر أن الانتقال من البلاغ الأول إلى البلاغ الثاني، يشير إلى وجود تباين في التقديرات بين من يدفع باتجاه التصعيد والمواجهة السياسية المفتوحة، وبين تيار “العقلانية” الذي يفضل تدبير الأزمة قانونيا ومؤسساتيا بعيدا عن الإعلام، خوفا من احتراق الورقة السياسية للحزب بالمدينة.
ويبدو أن اللغة التي تحدث بها بلاغ الحزب، قد تكون سيفا ذو حدين؛ فبينما يستعملها الرفاق للدفاع عن كاتبهم الإقليمي، يتساءل الشارع الطنجاوي لماذا قرر الحزب فجأة التستر على ما كان ينوي قوله في ندوة 21 يناير؟ وهل دخل الحزب في “حسابات سياسية” ضيقة جعلته يضحي بمبدأ الشفافية مع الرأي العام؟
في النهاية، يجد “الاشتراكي الموحد” نفسه اليوم في وضع لا يحسد عليه؛ مستشار مهدد بالعزل بقوة القانون، وموقف سياسي مرتبك يتأرجح بين التصعيد والصمت، وقواعد حزبية تم إلجامها بقرار تنظيمي، في انتظار ما ستنطق به المحكمة الإدارية، وما ستكشفه الأيام القادمة!

