داخل إحدى الحافلات التي أعطى والي جهة طنجة انطلاقتها قبل يومين، لم يكن الركاب مجرد رؤساء جماعات، بل مشاريع سياسية متنقلة، لكل واحد منهم حقيبة مثقلة بالوعود، وتذكرة مفتوحة على كل الأحزاب، وقلق مزمن من محطة النزول الأخيرة.
الحافلة تمضي، والانتخابات تقترب، والسياسيون بداخلها حائرون:
هل ينزلون في محطة “الاستقلال” أم يواصلون الرحلة بعد شجار عائلي حاد مع الحزب؟
أحدهم غاضب حدّ التفكير في القفز من الباب الخلفي، بعدما اكتشف متأخرا أن “البيت الاستقلالي” لا يتسع دائما لكل الطموحات.
في المقعد المجاور، جلس “بامي” حالم، لا ينظر إلى الطريق، بل إلى الأفق البعيد، حيث حقيبة أنيقة ومنصب “محترم” ربما في الخارجية، بعيدا عن صداع الجماعات، والحفر، وشكايات المواطنين.
كان يُعِدّ المحطات ليس بالمسافة، بل بعدد التعديلات الحكومية المحتملة.
في الوسط، رئيس آخر يشدّ على كرسيه أكثر مما يشدّ على حزام الأمان، عيونه على الهاتف، وأذنه تلتقط كل إشاعة، بعدما أدخله مقربون – بحسن نية طبعا– في دوامة مشاكل لا علاقة له بها، الرجل لا يخاف من النزول، بل من أن يُنزَل به فجأة.
أما في الخلف، فجلس رئيس يراقب الجميع بصمت، يحاول الحفاظ على كرسي الرئاسة ما أمكن، مستندا مهارة وزير سابق كان يعرف كيف يروض العاصفة.. فضيحة الشهادة الإدارية تلوّح من بعيد، وهو يراهن على أن الحافلة أسرع من الذاكرة الجماعية.
الحافلة تواصل سيرها، والوعود تُتلى كإعلانات المحطات: “الإصلاح قادم”، “التنمية بعد المنعرج”، “الولاية المقبلة أفضل”.
ولا أحد يعرف من سينزل وأين، ومن سيغير الحافلة في آخر لحظة، ومن سيكتشف أن محطته أُلغيت بسبب ضعف الإقبال.
شيء واحد كان واضحا للجميع:
هذه ليست حافلة نقل عمومي فقط، بل خط سياسي دائري.. يعود دائما إلى نفس النقطة، مع ركاب جدد، ووعود أقدم.

