لم تكن الرحلة البحرية التي أمّنتها باخرة “Ciudad de Mahón”، التابعة لشركة باليريا، بين ميناء الجزيرة الخضراء ومدينة سبتة، مساء السبت، سوى مغامرة غير محسوبة العواقب، انتهت بعودة السفينة أدراجها بعد قطع نصف المسافة، تاركة خلفها مشاهد صادمة لسيارات متضررة، أطفال يصرخون من الخوف، وعائلات منهكة فقدت الإحساس بالأمان والثقة.
إدارة باليريا تجاهلت النشرات الجوية التحذيرية المرتبطة بالعاصفة “إميليا”، قررت الشركة الإبحار ليلا، رغم أن الباخرة نفسها كانت قد واجهت صعوبات كبيرة خلال رحلتها السابقة من سبتة نحو الجزيرة الخضراء.
قرارٌ وصفه ركاب بـ«المتهور»، خصوصا بعدما تحولت الرحلة إلى ما يشبه اختبار صمود نفسي وجسدي دام لأكثر من 12 ساعة من الانتظار والارتباك.
المشاهد التي أعقبت فشل الرحلة لم تكن أقل قسوة: سيارات تعرضت لأضرار داخل الباخرة، حالات إغماء، بكاء هستيري للأطفال، وفوضى عارمة في غياب أي تواصل واضح من طاقم السفينة أو إدارة الشركة.
الركاب وجدوا أنفسهم عالقين بالميناء، دون توضيحات رسمية حول مصيرهم، وكأن الأمر يتعلق ببضائع لا بمسافرين بينهم نساء وأطفال.
وحسب شهادات متطابقة، فإن عددا من العائلات وصلت إلى الميناء منذ الرابعة بعد الزوال، على أساس إبحار مبرمج في السابعة مساء، قبل أن يتم تأجيل الرحلة إلى العاشرة ليلاً، ثم إلغاؤها عمليا بعد مغامرة بحرية غير مكتملة، دون توفير بدائل أو معلومات دقيقة، ما عمّق الإحساس بالاستخفاف بمعاناة الركاب.
الواقعة أعادت إلى الواجهة أسئلة محرجة حول معايير السلامة البحرية، وكيفية اتخاذ قرار الإبحار في ظروف جوية خطيرة، كما تطرح علامات استفهام كبرى حول مسؤولية شركات النقل البحري في تدبير الأزمات، والتواصل مع المسافرين في اللحظات الحرجة، بدل تركهم لمصيرهم وسط الخوف والانتظار.
رحلة باليريا لم تنتهِ في عرض البحر فقط، بل انتهت بكشف هشاشة منظومة يُفترض أنها تنقل البشر بأمان، لا أن تزجّ بهم في كابوس بحري عنوانه الارتجال وغياب المحاسبة.

