لا يكاد يوجد ساكن في بني مكادة إلا ويحمل في ذاكرته صورة عن ساحة تافيلالت، أو كما يعرفها الساكنة بـ “الخَصّة”.
هذه الساحة ليست مجرد فضاء عادي، بل تختزن رمزية تاريخية وثقافية عميقة، ارتبطت منذ نشأتها بذاكرة المدينة الشعبية، لتصبح شاهدة على أفراح الناس ونضالاتهم وأوجاعهم.
الاسم نفسه لم يكن اعتباطيا؛ “تافيلالت” هو تذكير بمسقط رأس الأسرة العلوية، لكن المفارقة المؤلمة أن الساحة التي كان يُفترض أن تعكس هذا البعد الرمزي، أضحت اليوم مجرد ظل باهت لتاريخها.
على مر العقود، شكلت ساحة تافيلالت فضاء جامعا؛ هنا كانت تقام الاحتفالات الشعبية، وهنا كان الناس يتجمعون للاحتجاج والمطالبة بالحقوق، وهناك حيث تدور الحافلات في مشهد مألوف يعكس دينامية الحياة اليومية.
الحاج أحمد، أحد سكان المنطقة القدامى، استعاد بعضا من تلك الصور قائلا:
“كانت الساحة قبل حتى أن تُبنى النافورة، مكانا يضج بالحياة، ملاذا للاحتفالات ومتنفسا للجميع. اليوم، لم تعد سوى ملاذ للجناكة والمتشردين”
في إشارة منه إلى التحول المأساوي الذي لحق بهذا الفضاء.
وتجدر الإشارة أن النافورة التي كانت تتوسط الساحة لم تعد موجودة سوى بالاسم وببعض بقاياها في الأرضية. ما تبقى هو تراكم الأزبال، انتشار الروائح الكريهة، ومشاهد الإدمان والتشرد.
إداريا، تقع ساحة تافيلالت ضمن النفوذ الترابي لمغوغة، وهي منطقة تعاني، بحسب سكانها، من تهميش مزدوج يطال الحجر والبشر.
وهذا التهميش يتناقض بشكل صارخ مع كون بني مكادة نفسها كانت مهد انطلاقة “مشروع طنجة الكبرى”، المشروع الذي رُوج له كقاطرة تحول عمراني وتنموي شامل، كان يفترض أن يبدأ إشعاعه من قلب هذه الساحة.
لكن النتيجة اليوم، كما يصفها السكان، ليست سوى “ضوء انطفأ قبل أن يضيء”، ورماد يأملون أن تعود منه شرارة جديدة لتعيد لساحة تافيلالت هيبتها وذاكرتها الجماعية، وتحولها من جديد إلى قلب نابض بالحياة بدل أن تبقى رمزا صارخا للإهمال.

