في قراءة تحليلية للتدخلات الاستباقية لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية الأخيرة، شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على ضرورة إحداث قطيعة مع الممارسات العمرانية غير المنضبطة، داعيا السلطات العمومية إلى تشديد مراقبة قوانين التعمير ومنع البناء كليا في المناطق المعرضة لمخاطر الفيضانات.
وتأتي هذه الدعوة في صلب التوصيات التي صاغها المجلس لتعزيز الجاهزية الاستباقية، حيث أكد على ضرورة جعل إشكالات التحولات المناخية جزءا لا يتجزأ من مشاريع “إعادة هندسة التراب” في مختلف الأوساط البيئية، سواء في السواحل أو الجبال أو الواحات.
وعلاقة بالسياق الميداني، سجل المجلس بـ “بالغ الاهتمام” تداعيات كارثة الفيضانات التي ضربت عدة مناطق في المملكة مطلع عام 2026، والتي تسببت في أضرار مادية جسيمة شملت غمر نحو 110 آلاف هكتار من الأراضي وفق نص التقرير، فضلا عن تضرر المساكن والبنيات التحتية والممتلكات الخاصة للمواطنين.
وفي هذا الصدد، أشاد التقرير بانطلاق عمليات العودة التدريجية للساكنة المنكوبة وتكفل السلطات العمومية بعمليات النقل اللوجستيكي، مؤكدا على أن استعادة قابلية العيش في هذه المناطق يجب أن تتم وفق شروط تحفظ الكرامة الإنسانية.
ومن زاوية منهجية، استند المجلس في مقاربتة لهذه الكارثة على التوصيات التي بلورها سابقا إبان “زلزال الحوز”، حيث اعتمد على مبادئ إطار سنداي (SENDAI) للحد من مخاطر الكوارث (2015-2030).
وترتكز هذه المقاربة الدولية على ضرورة ضمان أن يكون إجلاء السكان “مؤقتا” مع احترام الخصوصية والروابط المجتمعية، وتجنب الاستقرار المطول في مساكن لا تستجيب لمعايير السكن اللائق، مع ضمان استمرارية الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة وفق المعايير الأممية لـ “اليونيسيف” و”اليونسكو”.
وعلى صعيد السياسات الحكومية، طالب المجلس بمراجعة شاملة للرؤية الاستراتيجية المتعلقة بالاحتباس الحراري، مشددا على أن التحولات المناخية في المغرب ليست مرتبطة بسنوات الجفاف فحسب، بل تمتد لتشمل “التطرف المناخي” المتمثل في الفيضانات المباغتة، وحتى احتمالات حدوث ظواهر “تسونامي” على طول السواحل المغربية الممتدة من المتوسط إلى الأطلسي.
وخلص التقرير إلى أهمية تبني مبدأ “إعادة البناء بشكل أفضل”، بما يضمن تقوية البنيات التحتية واحترام الخصوصيات المعمارية والثقافية للمناطق المتضررة، وصولا إلى تكريس العدالة المجالية.
وفي ختام توصياته، لم يغفل المجلس الجانب الإنساني والمسطري، حيث دعا إلى الأخذ بعين الاعتبار الحالات الصعبة والمنازل المنهارة في الجماعات التي قد لا تقع ضمن النطاق الجغرافي المصنف رسميا “كمناطق منكوبة”، لضمان عدم إقصاء أي متضرر من الدعم اللازم.

