في صمت ثقيل، بعيدا عن أعين الكاميرات، تتسع يوما بعد يوم مأساة إنسانية في مدينة سبتة. فخلف أسوار مقبرة سيدي مبارك على سبيل المثال، تُدفن جثث المهاجرين الذين لفظهم البحر أو استُخرجوا من مياهه، دون أن تُعرف أسماؤهم أو تُحدد هوياتهم، فيتحولون إلى مجرد أرقام منقوشة على شواهد باهتة.
وفق معطيات محلية بالمدينة، وصل عدد الجثث التي تم انتشالها من سواحل سبتة إلى 35 جثة خلال سنة 2025 وحدها. معظم الضحايا شباب مغاربة وجزائريون، إلى جانب مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، قضوا غرقا أثناء محاولاتهم العبور نحو “الفردوس الأوروبي”.
هذه الحصيلة تعتبر الأعلى خلال السنوات الأخيرة. ففي منتصف يوليوز 2025، تم تسجيل الجثة رقم 16، لتقفز الأعداد بسرعة إلى 31 جثة منتصف شتنبر، وصولا إلى 35 جثة بنهاية الشهر نفسه. الأرقام تكشف عن تصاعد غير مسبوق لوتيرة المآسي البحرية.
وأمام هذا النزيف المستمر، وجدت سلطات المدينة نفسها أمام مأزق لوجستي وإنساني. ففي مارس 2025، أعلنت حكومة سبتة عن مشروع لتوسعة مقبرة سيدي مبارك عبر إضافة 500 قبر جديد، بعد وصول القدرة الاستيعابية للمكان إلى حافة الاختناق.
في الوقت نفسه، يعاني المعهد الطبي الشرعي بالمدينة من ضغط متواصل. فالجثث تُنقل أولا إليه لمحاولة تحديد الهوية عبر الفحوصات الباثولوجية، لكن في معظم الحالات، تبقى دون أي معلومة كافية. وعندما تنقطع كل الخيوط، يكون المصير هو قبر مُرقم بلا اسم.
التسلسل العددي الذي يُنقش على هذه القبور لا يعبر بالضرورة عن عدد دقيق للإجمالي الكلي، بل يشكل نظاما داخليا للأرشفة، يُستخدم كبديل عن الأسماء المفقودة. وهكذا، يصبح القبر رقم 5210، وهو آخر قبر وُوريت بداخله جثة مهاجر مجهول، شاهدا على حياة انطفأت في البحر، بلا وداع ولا هوية.
هذا الترقيم، وإن كان تقنيا، يكشف عن تشييء للضحايا؛ من إنسان بلحم ودم وأحلام، إلى مجرد خانة في سجل إداري إلا أنه يوثق ولو قليلا من معطيات هؤلاء الضحايا.
ورغم تزايد عدد هذه الأرقام داخل المقابر بسبتة، تظل بعيدة عن دائرة الاهتمام العام في إسبانيا وخارجها.
قليل من التقارير الصحفية المحلية (مثل تقارير El Faro de Ceuta) حاولت كشف ما وراء الأسوار، لكن لا توجد إلى اليوم أرقام رسمية تكشف العدد الإجمالي للجثث المجهولة المدفونة في سبتة منذ بداية موجات الهجرة.
ولمحاولة فهم ظاهرة “مقابر الأرقام” بمدينة سبتة المحتلة من الأصل، والتي تُدفن فيها جثامين مهاجرين مجهولي الهوية، توقفت صحيفة طنجة+ عند تقرير منظمة Caminando Fronteras، التي تُعنى بالدفاع عن حقوق المهاجرين ضحايا العنف والسياسات الحدودية القاسية.
التقرير نصف السنوي للمنظمة، المعنون بـ”مراقبة الحق في الحياة على الحدود”، كشف استمرار المأساة الإنسانية على الحدود الغربية الأوروبية–الإفريقية، حيث سُجلت 1865 وفاة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، من بينهم 112 امرأة و342 طفلا، وهو ما يعكس تزايد خطورة الظاهرة.
وأشار التقرير إلى أن الكارثة تتوزع عبر عدة مسارات، من بينها 52 ضحية في مضيق جبل طارق وتدخل ضمنها سبتة، و3 ضحايا في بحر البوران، و1482 ضحية بين المغرب وجزر الكناري.
أما من حيث الشهور، فكان يناير الأكثر دموية بـ767 وفاة، تلاه فبراير بـ618، ثم مارس بـ261، وأبريل بـ162، ومايو بـ57 وفاة.
في شمال المغرب، وتحديدا في محيط سبتة ومضيق جبل طارق، أكد التقرير تزايد الضغوط على الحدود، حيث يحاول العشرات من الشباب والمراهقين عبور البحر في هذه المناطق سباحة باستخدام بدلات سباحة أو أدوات طفو بدائية، في ظروف محفوفة بالموت.
وتؤكد شهادات ناجين أن تعطل المحركات، وسوء الأحوال الجوية، وضعف التنسيق بين الدول، كانت أسبابا مباشرة لوفاة كثيرين قبل بلوغهم السواحل الإسبانية.
الأخطر في التقرير، هو تأكيده أن هذه الوفيات قابلة للتجنب، إذ تعود؛ بحسب المنظمة، إلى قرارات سياسية وإهمال مؤسسي وبنية حدودية تعتبر الموت جزءا من نظام التحكم في الهجرة.
ودعت المنظمة إلى إنشاء آليات إنقاذ مشتركة وسريعة وفعالة بين المغرب وإسبانيا، لضمان حماية المهاجرين في المناطق الشمالية، خاصة في سبتة ومضيق جبل طارق.
إلى ذلك تواصلت صحيفة طنجة+ مع الصحفية والناشطة الإسبانية هيلينا مالينو غارزون، عضو منظمة Caminando Fronteras، التي تُعد من أبرز المدافعات عن حقوق المهاجرين في إسبانيا.
وفي تصريحاتها لصحيفة طنجة+ حول المقابر قالت:
“مقابر الأرقام هي مقابر جماعية جديدة ظهرت في القرن الحادي والعشرين.
تضم أشخاصا مجهولي الهوية، بالنسبة لعائلاتهم فهم ما زالوا مفقودين، لأنهم لا يعرفون أين دفنوا، ولا الطقوس التي أُجريت أثناء الدفن، ولا إن كانت معتقداتهم قد احُترمت.
كما أنهم لا يملكون حتى شهادة وفاة تثبت فقدان أحبائهم، وهذا يضاعف من معاناتهم النفسية.”
وتضيف مالينو بأسى:
“العائلات تعيش حزنا لا نهائي، لأنها لا تستطيع توديع ذويها أو زيارة قبورهم.
هذه المقابر تُظهر كيف تُعامل حياة المهاجرين وكأنها حياة يمكن التخلي عنها. وهذا فشل أخلاقي وإنساني فادح.”
وفي هذا السياق ترى الناشطة أنه فشل من الدولة الإسبانية في حماية حقوق العائلات، وحقوق الموتى والمفقودين، لأن هؤلاء أيضا لهم حقوق يجب أن تُصان.”
وفي ما يتعلق بالإجراءات الواجب اتخاذها، أوضحت مالينو أن هناك بروتوكولات واضحة يجب تطبيقها:
“ينبغي ضمان حق العائلات في تقديم الشكاوى والتعرف على الجثث من خلال تحليل الحمض النووي (DNA).
بعض الأسر لا تستطيع الوصول إلى سبتة، لكن يمكنها تقديم عيناتها في القنصليات الإسبانية.
كما يجب توفير آليات فعالة للتعرف عبر البصمات والوثائق الرقمية.”
وتضيف:
“للعائلات الحق في معرفة الحقيقة: كيف مات أحباؤهم، وفي أي ظروف. أحيانا تُسجل الوفيات كحوادث دون أي تحقيق، رغم أن كثيرا منها يمكن تجنبه.
هذه الأسر لها الحق في التعويض، وفي دفن أحبائها بكرامة، وفي الاعتراف الرسمي بوجودهم.”
وتختم الناشطة الإسبانية حديثها مؤكدة:
“ما يحدث في سبتة ليس مجرد دراما إنسانية، بل فشل في حماية الحق في الحياة. المطلوب هو سياسات حدودية تحترم الإنسان أولا، قبل كل شيء.”
وهكذا، فبين أرقام تُسجل على شواهد قبور، وأحلام غارقة لم تُروَ قصصها، تبقى سبتة شاهدا صامتا على مأساة متواصلة، تجعل من المدينة مقبرة للأرقام.

