انطلقت بطنجة التجربة المغربية الأولى لتركيب الألواح الشمسية العائمة فوق خزان سيدي اليماني، في مشروع رائد يسعى إلى الجمع بين إنتاج الكهرباء النظيفة وتقليص التبخر المائي في وقت يواجه فيه المغرب تحديات متصاعدة مرتبطة بالجفاف وندرة المياه.
المشروع يعتمد على تقنية “الفلوطوفولطية” (الطاقة الكهروضوئية العائمة)، ويضم 22 ألف لوح شمسي تغطي مساحة 10 هكتارات من أصل 123 هكتارا من سطح الخزان. وتقدر طاقته الإنتاجية بـ13 ميغاواط، أي ما يكفي لتغطية حاجيات ميناء طنجة المتوسط. كما يتوقع أن يساهم في تقليص فقدان المياه بنسبة تصل إلى 30% وفق التقديرات الأولية.
قراءة تحليلية في أبعاد المشروع:
في تصريح لموقع طنجة+، اعتبر رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية والخبير البيئي مصطفى بنرامل أن اختيار المغرب لهذه التجربة يتجاوز الطابع التجريبي المحدود ليحمل أبعادا استراتيجية واضحة، قائلا:
“المغرب يواجه منذ سنوات ضغطا مائيا حادا بفعل الجفاف وندرة الموارد، وخسائر التبخر وحدها تصل إلى 1.5 مليون متر مكعب يوميا. هذا المشروع يضعنا أمام حل مزدوج: إنتاج الطاقة وتحصين السدود من نزيف الماء”.
وأضاف الخبير أن المشروع يُقرأ على مستويين:
استراتيجي: إدماج تكنولوجيا مبتكرة تقلل الضغط على الأراضي الزراعية وتنسجم مع أهداف الانتقال الطاقي (52% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030).
تجريبي: اختبار ملاءمة التقنية للظروف المناخية المغربية، مع بناء خبرة وطنية تسمح بالتوسع لاحقا نحو سدود أكبر وأكثر استراتيجية.
وحول ما إذا كانت نسبة 30% من تقليص التبخر واقعية، أوضح الخبير البيئي أن:
“هذه النسبة تظل أقصى تقدير ممكن، وغالبا ما تتراوح النتيجة ميدانيا بين 15 و25% حسب المناخ وحجم التغطية”، مؤكدا أن “حتى هذا السقف يوفر ملايين الأمتار المكعبة سنويا، وهو مكسب لا يمكن الاستهانة به”.
لكن بالمقابل، شدد على ضرورة الانتباه إلى التوازن البيولوجي للسدود:
“حين تتجاوز التغطية 40% من المسطح المائي قد يتأثر الأكسجين المذاب وتضرر الكائنات المائية. المطلوب إذن أن لا ننتج الكهرباء على حساب صحة النظام البيئي، بل نلتزم بتغطية معتدلة (10–20%) مدعومة بدراسات بيئية صارمة”.
وبينما يضع المشروع المغربي في مصاف التجارب الدولية إلى جانب اليابان والهند والصين، يرى الخبير أن التعميم يتطلب التدرج:
“لدينا أكثر من 140 سدا وخزانا يمكن أن تستضيف مشاريع مماثلة. لكن النجاح مشروط بالمراقبة البيئية الدورية، والتصميم الذكي للألواح، ودمج حلول أخرى كالحزام الشجري المحيط بالخزانات”.
وبحسب مراقبين، فإن اختيار خزان سيدي اليماني قرب ميناء طنجة المتوسط ليس اعتباطيا، بل يعكس رهانا استراتيجيا على موقع يُعد من المحركات الاقتصادية الكبرى للمغرب. فالمشروع يضمن تزويد الميناء؛ الذي يشكل شريانا تجاريا ولوجستيا يربط إفريقيا بأوروبا؛ بطاقة نظيفة ومستقرة، ما يرفع تنافسيته ويعزز صورته كمنصة خضراء صديقة للبيئة.
كما أن طنجة، التي تعيش ضغوطا متزايدة بسبب التوسع العمراني والصناعي وندرة الأراضي الزراعية، تستفيد من تقنية توفر الطاقة دون أن تستنزف المجال الترابي، وتساهم في حماية الخزان المائي الذي يعد رصيدا استراتيجيا للمنطقة.
وبهذا المشروع، يؤكد المغرب أن مواجهة أزمات المناخ وندرة المياه لا تكون عبر حلول تقليدية فقط، بل عبر رهانات مبتكرة تحقق مكاسب مزدوجة: طاقة نظيفة وماء محفوظ للأجيال القادمة.

