قبل أن نحلم بملاعب ممتلئة وهتافات تصدح في سماء القارة خلال كأس إفريقيا، وقبل أن نرسم لأنفسنا موقعا في مونديال 2030، علينا أولا أن ننتصر في معركة داخلية أكثر صعوبة، وأكثر إلحاحا: معركة “التهركاويت”.
ليست “التهركاويت” مجرد سلوك طائش أو لحظة غضب عابرة في زحمة السير.. إنها أسلوب حياة يتغذى من غياب الوعي، ويتكاثر في ظل اللامبالاة.. هي حين يجد البعض متعة في خرق القانون، ويتباهى بتجاوز الإشارة الحمراء، أو السير عكس الاتجاه، وكأن الشارع غابة والقانون مجرد اقتراح.
هي حين لا يجد المواطن حرجا في رمي قنينة بلاستيكية من نافذة السيارة، أو في إشعال النار تحت لوحة تمنع ذلك، أو في تجاوز طابور وكأن النظام إهانة!
هي حين تتحول الحاويات إلى ديكور حضاري، تُترك فارغة، بينما تتكوم الأزبال على الأرصفة.
“التهركاويت” ليست فقط مظهرا من مظاهر الفوضى، بل هي انعكاس لأزمة أعمق: غياب الشعور بالانتماء، تراجع القيم، وضعف ثقافة العقاب.
نحن، كمغاربة، نرفع سقف الطموحات: نريد تنظيم كأس إفريقيا والمونديال، نطالب بملاعب حديثة، ونبهر العالم بالبنية التحتية… ولكن، هل فكرنا كيف سيحكم علينا زوارنا من العالم وهم يشاهدون سائقا يقف فوق الرصيف، أو مواطنا يلوث شارعه بنفس اليد التي يصفق بها للمنتخب؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء الملاعب، بل في بناء المواطن.
فلا مونديال يُكسبنا الاحترام إن خسرنا معركة السلوك، ولا كأس يُشرّفنا إن استمرت “التهركاويت” كعرف مقبول في شوارعنا.
فلنربح الرهان من الآن: بالقانون، بالتربية، بالقدوة، وبإرادة جماعية لا تساوم مع الفوضى.
فإما أن نرتقي… أو نُهزم من الداخل قبل أن تبدأ المباريات.

