بقلم: حمزة ابراهيمي
في خضم التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الصحة، وما يرافقه من إصلاحات هيكلية تروم بناء منظومة صحية أكثر نجاعة وإنصافا، يبرز ملف الخدمات الاجتماعية الموجهة لفائدة مهنيات ومهنيي الصحة العمومية باعتباره أحد المداخل الأساسية لضمان الاستقرار المهني، وصون الكرامة الاجتماعية، وتعزيز الانخراط الإيجابي في أوراش الإصلاح.
فلا يمكن الحديث عن إصلاح صحي شامل دون الالتفات إلى أوضاع النساء والرجال الذين يحملون هذا الإصلاح يوميا داخل المستشفيات والمراكز الصحية والمصالح الإدارية والتقنية. كما لا يمكن مطالبة الشغيلة الصحية بمزيد من التعبئة والتضحية، في الوقت الذي تشعر فيه فئات واسعة منها بأن الخدمات الاجتماعية الموجهة إليها لا تزال دون مستوى الانتظارات.
إن النقاش الذي تعرفه اليوم الاوساط المهنية بمواقع العمل و شبكات التواصل الاجتماعي من خدمات مؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية لا ينبغي اختزاله في احتجاج ظرفي أو مطلب فئوي محدود، بل يتعين قراءته باعتباره تعبيرا عن سؤال أعمق: هل نحن أمام أزمة موارد فقط، أم أمام أزمة ثقة وحكامة وتمثيلية وتواصل؟
لقد شكل إحداث مؤسسة الحسن الثاني للنهوض بالأعمال الاجتماعية لفائدة العاملين بالقطاع العمومي للصحة، بموجب القانون رقم 19.10، خطوة مهمة في اتجاه توحيد وتنظيم الخدمات الاجتماعية لفائدة موظفي القطاع ومتقاعديه وذوي حقوقهم. وهو ما يجعل المؤسسة ملزمة، أخلاقيا ومؤسساتيا، بتدبير موارد المنخرطين وفق مبادئ الشفافية والنجاعة والمساواة في الولوج إلى الخدمات.
وقد راكمت المؤسسة خلال السنوات الماضية عددا من الخدمات التي لا يمكن إنكارها، من قبيل التغطية الصحية التكميلية، والإعانات الاجتماعية، والاصطياف، والسكن، والمنح الدراسية، ودعم بعض الفئات ذات الوضعيات الخاصة. غير أن الاعتراف بهذه المكتسبات لا ينبغي أن يحجب الفجوة المتنامية بين انتظارات المهنيين وطبيعة الخدمات الفعلية، سواء من حيث الجودة أو شروط الاستفادة أو الانتشار الجهوي.
فموضوع السكن، على سبيل المثال، تحول إلى أحد عناوين التذمر، خاصة في ظل النقاش حول تسقيف سن الاستفادة من بعض الصيغ، وتراجع أو حذف بعض أشكال الدعم المباشر التي كان يعول عليها عدد من الموظفين. كما أن ملف التأمين التكميلي يطرح بدوره أسئلة ملحة حول سرعة معالجة الملفات، ووضوح شروط التعويض، وحماية الموظفين المصابين بأمراض مزمنة أو مكلفة من أي تراجع في جودة الخدمة.
أما خدمات الاصطياف والمنح والإعانات، فرغم أهميتها، فإن أثرها يظل محدودا إذا لم تستند إلى معايير معلنة، وحصص جهوية عادلة، وآليات واضحة للطعن والتتبع. فالخدمة الاجتماعية لا تقاس فقط بوجودها في البلاغات، بل بعدد المستفيدين الفعليين، وسهولة الولوج إليها، ومدى الإحساس الجماعي بعدالتها.
ومن هنا يصبح الحق في المعلومة جزءا أساسيا من النقاش. فالمنخرطون من حقهم معرفة المداخيل والنفقات، وحجم الاعتمادات المخصصة لكل خدمة، وعدد المستفيدين حسب الجهات والفئات، ونسبة الملفات المقبولة والمرفوضة، وأسباب الرفض، وكلفة التدبير الإداري مقارنة بكلفة الخدمات المباشرة. وكلما غابت هذه المعطيات، تحولت القرارات الإدارية، ولو كانت مبررة ماليا، إلى مصدر للشك والاحتقان.
كما تظل مسألة التمثيلية داخل أجهزة التسيير من القضايا المركزية. فرغم حضور ممثلي النقابات الأكثر تمثيلية داخل اللجنة المديرية للمؤسسة، فإن الإحساس السائد لدى فئات واسعة من المهنيين هو أن صوت المنخرط المباشر لا يزال ضعيفا داخل آليات القرار. وهذا ما يفرض التفكير في صيغ أكثر تشاركية، سواء عبر لجان جهوية منتخبة، أو آليات استشارة دورية، أو نشر خلاصات اجتماعات أجهزة التسيير بشكل منتظم.
ومن باب الموضوعية، لا يمكن إنكار أن المؤسسة تشتغل ضمن معادلة مالية صعبة. فحجم الطلب الاجتماعي داخل قطاع واسع ومتعدد الفئات لا يمكن تلبيته بالكامل من خلال مساهمات شهرية محدودة، خاصة حين يتعلق الأمر بخدمات مكلفة مثل السكن، والتغطية الصحية التكميلية، والإعانات الاجتماعية، والاصطياف. لذلك فإن النقد المسؤول لا ينبغي أن يكتفي بالمطالبة بتحسين الخدمات، بل يجب أن يفتح أيضا نقاشا جديا حول نموذج التمويل، ودور الدولة، وحجم الدعم العمومي، وسبل تنويع الموارد والشراكات.
لكن محدودية الموارد لا تعفي من واجب الوضوح والمساءلة. بل كلما كانت الموارد محدودة، ازدادت الحاجة إلى تدبير أكثر إنصافاً ونجاعة. فالمنخرط لا يرفض الإكراهات حين تقدم له بصدق وبيانات دقيقة، لكنه يرفض الغموض، وضعف التواصل، والإحساس بأن القرارات تتخذ فوقيا ودون إنصات كاف.
ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب اليوم ليس سجالا إعلاميا بين المؤسسة ومحتجيها، ولا دفاعا إداريا عن الوضع القائم، بل إطلاق مسار تصحيحي واضح، يبدأ بفتح حوار عاجل ومسؤول مع النقابات وممثلي المنخرطين، في أجل لا يتجاوز ثلاثين يوما، على أن يتوج هذا الحوار بتقرير شفاف حول الوضعية المالية والخدماتية للمؤسسة داخل أجل ستين يوما.
كما يتعين اعتماد خطة عملية خلال مائة يوم، تتضمن مراجعة الخدمات الأكثر إثارة للاحتجاج، وفي مقدمتها السكن والتأمين التكميلي والإعانات الاجتماعية، وإحداث منصة شكايات بتتبع زمني واضح، ونشر لوحة قيادة فصلية تتضمن مؤشرات الاستفادة، وآجال معالجة الملفات، والكلفة، والتوزيع الجهوي، ونسب الرضا، فضلا عن برمجة افتحاص خارجي مستقل ينشر للمنخرطين بصيغة مبسطة ومفهومة.
إن إصلاح مؤسسة الأعمال الاجتماعية للصحة لا ينبغي أن ينظر إليه كملف هامشي أو ثانوي، بل كجزء لا يتجزأ من إصلاح المنظومة الصحية الوطنية. فالمهني الذي يشعر بالإنصاف الاجتماعي، وبأن مؤسسته تصغي إليه وتحترم حقه في المعلومة والمشاركة، يكون أكثر قدرة على الانخراط في الإصلاح، وأكثر استعدادا لتحمل أعباء المرفق العمومي الصحي.
لذلك، فإن اللحظة الراهنة تفرض انتقال المؤسسة من منطق تدبير خدمات متفرقة إلى منطق تعاقد اجتماعي واضح مع المنخرطين؛ تعاقد يقوم على حقوق وواجبات، ومؤشرات قياس، ومحاسبة دورية، وإشراك فعلي للمهنيين في تحديد الأولويات.
الخلاصة أن المطلوب اليوم ليس فقط تحسين منحة أو مراجعة خدمة أو توسيع استفادة، رغم أهمية ذلك، بل إعادة بناء المصداقية. وهذه المصداقية لا تستعاد بالشعارات ولا بالبلاغات، وإنما بالشفافية، والحوار، والإنصاف، والحكامة الجيدة.
إن مؤسسة الأعمال الاجتماعية للصحة مطالبة اليوم بأن تتحول من جهاز إداري يقدم خدمات محدودة إلى مؤسسة اجتماعية حديثة، شفافة، تشاركية، وقابلة للمساءلة؛ مؤسسة تكون في مستوى تضحيات نساء ورجال الصحة، وفي مستوى الرهانات الكبرى التي ينتظرها المغاربة من إصلاح قطاعهم الصحي.
فلا إصلاح صحيا ناجحا بمهنيين منهكين اجتماعيا، ولا مؤسسة اجتماعية ناجحة بلا منخرطين يثقون في عدالة تدبيرها.

