في خطوة تروم ملامسة أعقد الملفات العقارية التي تشغل الرأي العام المحلي والوطني، احتضنت المحكمة الابتدائية بالعرائش، يوم الثلاثاء المنصرم، مائدة مستديرة رفيعة المستوى ناقشت “مظاهر الحماية القانونية لأملاك الجماعة السلالية” و”قواعد الترجيح بين الحجج”، في لقاء جمع بين صرامة القانون وعمق الفقه المالكي.
وافتتحت الأشغال بكلمة للسيدة رئيسة المحكمة، أكدت فيها أن الأمن العقاري ليس مجرد شعار، بل هو ثمرة ترابط وثيق بين حماية الملكية وآليات الإثبات، مشيرة إلى أن أراضي الجموع تطرح إشكالات عملية معقدة تتطلب اجتهادا قضائيا يواكب التحولات التشريعية ويستجيب لمتطلبات التنمية واستقرار المعاملات، وهو ما زكاه السيد وكيل الملك في كلمته، معتبرا أن خصوصية هذه الأملاك وما يحيط بها من رهانات اقتصادية واجتماعية تضع القاضي أمام مسؤولية جسيمة في توظيف قواعد الإثبات لتحقيق العدالة.
وفي تفاصيل المداخلة الأولى، بسط الأستاذ حسن لفيف، رئيس الغرفة العقارية، مظاهر الحماية القانونية لـ”أراضي الجموع”، كاشفا عن توجه حديث ومبدئي لمحكمة النقض يفرض على المحاكم إجراء معاينات ميدانية رفقة خبراء طوبوغرافيين للنبش في “الحقيقة التاريخية” للأرض، وعدم الارتهان للوثائق الجاهزة.
كما أوضح لفيف معطى قانونيا غاية في الأهمية، يتمثل في أن إقرار نائب الجماعة السلالية بصبغة الأرض لا يلزم المحكمة في شيء ما لم يصدر عن وزارة الداخلية بصفتها الجهة الوصية، مؤكدا في الوقت ذاته أن شهادة ذوي الحقوق مقبولة قانونا مادامت تهدف لحماية حق الجماعة لا المصلحة الشخصية، ليخلص إلى ضرورة مراجعة القانون 62.17 لتجاوز الثغرات التي كشفها التطبيق العملي.
من جانبه، غاص الأستاذ عادل بنسوسي، نائب رئيسة المحكمة، في تعقيدات “بينة الملك” وآليات فك الاشتباك بين الحجج المتعارضة، مستعرضا القواعد العشر التي نصت عليها المادة 03 من مدونة الحقوق العينية والمستمدة من الفقه المالكي، حيث يتم تقديم بينة الإثبات على النفي، والبينة المؤرخة على غيرها، مع إعلاء كفة “زيادة العدالة” في الشهود على الكثرة العددية.
وانتهى المتدخل إلى توجيه نداء للمشرع بضرورة مأسسة “شهادة اللفيف” وتوسيع دائرة المرجحات القانونية لتشمل ما أغفلته المدونة من قواعد فقهية رصينة، لضمان تحصين الملكية العقارية من كل تدليس أو اعتداء.

