عادت ظاهرة “فوضى الدراجات النارية” لتخيم من جديد على شوارع مدينة طنجة، فارضة نفسها عنوانا بارزا في سجل حوادث سير دموية لا تتوقف؛ إذ لم يعد المشهد مقتصرا على تجاوزات عادية، بل تحول إلى سلسلة من الفواجع التي تهدد سلامة المواطنين في المحاور الرئيسية والأحياء السكنية، لا سيما داخل الأنفاق التي أصبحت “مسارح للموت” وفقا للكثيرين، رغم المنع القانوني.
وكان آخرها الحادث الذي هز نفق “رياض تطوان”، ليلة اليوم الأحد والذي أودى بحياة شاب وأصاب مرافقه بجروح بليغة، وهو ما أعاد إلى الواجهة مسألة الاستهتار المتزايد بالقرار الجماعي رقم 821 الصادر في ماي 2025، والذي يمنع بشكل واضح مرور الدراجات بمختلف أنواعها، بما فيها “التروتينيت”، داخل الأنفاق الأرضية.
وفي قراءة تحليلية لهذا الوضع، وصف لخضر الزهواني، رئيس جمعية البوغاز للسلامة الطرقية والمكون في مهن النقل الطرقي، في تصريح لصحيفة “طنجة+”، المشهد في المدينة بـ”المخيف للغاية”، مؤكدا أن الظاهرة أصبحت واقعا دائم الحضور وليس موسميا.
وأضاف أن سنة 2025 سجلت، وفق ذات المتحدث، حصيلة وصفها بـ”الكارثية” بأزيد من 3000 قتيل في صفوف هذه الفئة على الصعيد الوطني، وهو رقم اعتبره “مرعبا” يستوجب وقفة حازمة.
واسترسل المتحدث موضحا أن الدراجة النارية، قانونا، هي وسيلة نقل تسري عليها نفس القوانين، غير أن ما يُلاحظ ميدانيا هو “سلوكيات متهورة ولا مبالية” تعطي انطباعا سيئا وتكرس صورة من الاستهتار داخل الأنفاق وخارجها.
وأشار إلى أن المعضلة الحقيقية تكمن في الدراجات ذات المحرك، خاصة الخفيفة (أقل من 125 cc)، التي يتضاعف خطرها داخل الأنفاق نظرا لتصمي هذه الأخيرة المنحني الذي يزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
وعلى مستوى التفاعل الإداري، لم يخف رئيس جمعية البوغاز امتعاضه من تعاطي الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)، كاشفا أن المراسلات والتوصيات التي وجهتها الجمعية لم تلق أي رد، قائلا: “من المؤسف أن تتعامل بعض الإدارات مع ملف السلامة الطرقية كملف عادي، بينما هو ملف عاجل يمس سلامة الأجساد ولا يقبل التأجيل”.
وفي مقابل هذا، أشاد الزهواني بالدينامية المحلية في طنجة، مبرزا أن الجماعة تتفاعل بجدية مع مطالب التشوير، حيث تم تعديل لافتات المنع في الأنفاق لتشمل جميع أنواع الدراجات بعد تنبيهات الجمعية، وهو ما يعكس وجود إرادة محلية للتغيير، تصطدم أحيانا بـ”عناد” بعض السائقين.
وفي سياق آخر، ربط الزهواني بين الحوادث و”علم النفس المروري”، معتبرا أن تكرار هذه الأفعال في الطريق يحولها، في نظر المجتمع، إلى “سلوك عادي” بسبب غياب الاستنكار الجماعي.
ووصف ما يحدث بـ”العنف الطرقي”، الذي اعتبره أخطر من التنمر ومجموعة من السلوكات الأخرى، حيث يرى بعض الشباب في خرق القانون نوعا من “البطولة” الوهمية.
وللخروج من هذا النفق المظلم، شدد لخضر الزهواني على أن الحل لا يمكن اختزاله في التحسيس فقط، بل يمر عبر تفعيل رخصة السياقة من صنف “AM” المعطلة منذ عشر سنوات، والتي من شأنها إلزام الشباب بمعرفة قواعد السير قبل امتطاء الدراجة، مع ضرورة تشديد المراقبة التقنية على “المحركات المعدلة” والخوذات التي تحولت إلى مجرد “إكسسوار”، وفق وصفه.
وخلص المتحدث إلى أن المعركة الحقيقية هي معركة “وعي وإرادة جماعية”، داعيا إلى إدماج البعد النفسي والسلوكي في اختبارات السياقة، ومواجهة “البيئة الحاضنة” للتمرد المروري، معتبرا أن القانون يجب أن يواكب الواقع المتغير لفرض هيبته وحماية الأرواح من “عبث” المتهورين.

