دخلت الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر بمدينة طنجة “مرحلة الحسم”، حيث دبت حركية استثنائية في شرايين الأحياء الشعبية والعتيقة لـ”عروس الشمال”.
حركيةٌ لا تخطئها العين، تتوزع بين “كوزينات” المنازل التي تفوح منها روائح “ماء الزهر”، وبين الأسواق الشعبية التي تحولت إلى خلايا نحل لا تهدأ.
ومع اقتراب رحيل شهر رمضان، انتقل “ثقل العمل” من الموائد الرمضانية إلى التحضير لـ”يوم الزينة”.
هذا الزخم انتقل صداه سريعا إلى الأفران التقليدية، التي تعيش حالة “استنفار قصوى”؛ إذ امتلأت أدراجها بصواني “اللاطات” بمختلف الأشكال والأصناف، متخلية مؤقتا عن روتينها اليومي في طهو “خبز الدار” لصالح حلويات المناسبات.
ويشهد “فرن الزنقة” ما يشبه السباق المحموم بين الجارات لضمان دور في “نار الخشب”، التي يجمع الطنجاويون على أنها تمنح الحلوى نضجا متوازنا وقواما “بلديا” لا تستطيع أفران الغاز أو الكهرباء الحديثة محاكاته.
وفي مشهد يختزل حيوية الزمان والمكان، ينشط الصبية والشباب في نقل “اللاطات” ذهابا وإيابا بين البيوت والفرن، في لوحة اجتماعية تتكرر كل عام.
ورغم الانتشار الواسع للمخابز العصرية، لا تزال الأسر الطنجاوية وفية للصناعة اليدوية، فخلف الأبواب المغلقة، تبدأ الرحلة الشاقة من طحن اللوز، تنقية الجلجلان، وتحضير العجين؛ وهي عملية تتطلب جهدا عضليا وزمنيا طويلا، لكنها تظل بالنسبة للكثيرين “ضمانة للجودة والمذاق الأصيل”.
وفي هذا الصدد، تنقل “طنجة+” شهادة عائشة، وهي ربة بيت تقطن بحي “حومة الشوك”، التي أكدت أن الاستعداد للعيد يبدأ فعليا من المطبخ، قائلة: “لا نفضل شراء الحلويات الجاهزة لأننا نجهل مكوناتها.. حلوى الدار تبقى هي الأصل، نصنعها بمواد نختارها بعناية وبإتقان قل نظيره”.
وأضافت بنبرة تملؤها الغبطة: “التعب والسهر يتبددان بمجرد رؤية الصواني تخرج ناضجة من الفرن؛ إنها اللحظة التي نشعر فيها فعلا بقدوم العيد”.
وبموازاة حركية “الكوزينة”، تشهد الأسواق الشعبية بطنجة، من “سوق د برا” إلى “كاساباراطا” و”المصلى”، تدفقا بشريا هائلا، إذ تحولت هذه الفضاءات إلى وجهة مفضلة للأسر الباحثة عن “لبسة العيد”، حيث تختلط أصوات الباعة المنادين على بضائعهم بصخب الزبائن الباحثين عن “همزة” تجمع بين الجودة والثمن المناسب.
وتعرف تجارة الملابس التقليدية، من “جلاليب” و”قاندورات” و”بلاغي”، إقبالا لافتا يعكس تمسك الطنجاويين بالهوية المغربية في صلاة العيد.
كما لا تخلو الأجواء من ازدحام شديد أمام محلات بيع “الفواكه الجافة” ومستلزمات الحلويات، التي بلغت ذروة رواجها السنوي، في مشهد ينم عن مقاومة مجتمعية واضحة لضعف القدرة الشرائية.

