دخلت مهنة التوثيق العدلي بالمغرب منعطفا جديدا من التصعيد، حيث شرعت الهيئة الوطنية للعدول، ابتداء من اليوم الأربعاء، في خوض إضراب وطني شامل عن العمل لمدة يومين (18 و19 فبراير).
وتأتي هذه الخطوة الاحتجاجية تعبيرا عن الرفض القاطع لمضامين مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم المهنة، والذي اعتبره المهنيون “مخيبا للانتظارات” وغير متوافق مع مخرجات الحوار السابق مع وزارة العدل.
ويرى المهنيون أن الصيغة الحكومية للمشروع تكرس اختلالات بنيوية؛ إذ يرفض العدول عدم اعتماد تسمية “التوثيق العدلي” رسميا، معتبرين أن الاكتفاء بعبارة “مهنة العدول” يقلل من قيمتها القانونية والاعتبارية مقارنة بمهن توثيقية أخرى.
وفي سياق متصل، أثار حذف “الحق في الإيداع” من النسخة النهائية للمشروع استياء واسعا، كونه يحرم العدل من الصلاحية القانونية لحفظ المحررات وتقييدها، وهي الآلية التي يصفها الفاعلون في القطاع بأنها “شريان التحديث” الضروري لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وعلاوة على التحفظات الهيكلية، تبرز المقتضيات الزجرية كأحد أكثر النقاط إثارة للجدل؛ حيث ينتقد العدول المادتين 107 و118 اللتين تمنحان الوكيل العام للملك صلاحية توقيف العدل مؤقتا في حالات الاختلال المهني.
ويعتبر المهنيون هذه النصوص تكريسا لـ”قرينة الإدانة” ومساسا بالأمن المهني، خاصة مع ما يصفونه بتشديد الرقابة الإدارية والقضائية على المكاتب العدلية بطريقة تحد من استقلالية الممارسة المهنية.
من جانب آخر، لم يغفل الجسم المهني الجوانب الإجرائية والاجتماعية؛ إذ يُسجل رفض قاطع للاستمرار في اشتراط حضور 12 شاهدا (المادة 67)، وهو مقتضى يراه العدول “متجاوزا” في العصر الرقمي، فضلا عن غياب التنصيص الصريح على شهادة المرأة.
كما طالت الانتقادات رفع مدة الأقدمية المطلوبة للترشح لمناصب المسؤولية في الهيئة (تصل إلى 15 سنة)، وهو ما يُنظر إليه كحاجز إضافي قد يحد من وصول الكفاءات الشابة والنساء العدول إلى مراكز القرار داخل الهيئة الوطنية والجهوية.
وبناء على هذه المعطيات، تشدد الهيئة الوطنية للعدول على أن المطلب الأساسي حاليا هو “السحب الفوري للمشروع” وإعادة صياغته وفق مقاربة تشاركية حقيقية.
ويرتكز خطاب الهيئة على ضرورة تحقيق “المساواة الكاملة” بين جميع مهنيي التوثيق في المغرب، استنادا إلى مقتضيات دستور 2011 وميثاق إصلاح منظومة العدالة، معتبرين أن استمرار التمييز بين المهن التوثيقية يمس بحق المواطن في اختيار الجهة التوثيقية التي تناسبه ويضرب مبدأ المنافسة الشريفة في الصميم.

