بينما كانت جبال “بوهاشم” تئن تحت وطأة انجرافات خطيرة للتربة التي طمرت بيوت دوار “أغبالو”، برزت على هامش الكارثة مأساة أخرى لا تقل قسوة؛ مأساة بطلها “الإنسان” هذه المرة وليس “الطبيعة”. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المنكوبين يدا تمتد للإغاثة، وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام سماسرة الأزمات وبعض “صُناع المحتوى”، الذين رأوا في حطام المنازل “فرصة استثمارية” أو “مادة دسمة” لزيادة المشاهدات، وفق شهادات للساكنة المتضررة.
فتحت ضغط الرعب والحاجة، اضطر بعض الفلاحين في أغبالو لمواجهة واقع مرير؛ فالمواشي التي تمثل “رأس المال” باتت بلا مأوى، وبدلا من أن يجدوا الدعم، اصطدموا بسماسرة استغلوا حالة الانكسار النفسي والمادي.
وتتحدث شهادات صادمة من قلب الدوار عن “مساومات مهينة”، حيث عُرضت مبالغ زهيدة لا تتجاوز 1500 درهم للبقرة الواحدة، وأقل من 400 درهم لرأس الماعز، في استغلال صريح وفق الساكنة لغياب بدائل الإيواء والكلأ. هذه الظاهرة وفقهم ليست مجرد “تجارة بخسة”، بل هي طعنة في كرامة إنسان الجبل الذي لم يفرط في ماله إلا وهو يرى بيته ينهار.
وعلى جبهة أخرى، تحول الدوار المنكوب إلى وجهة لبعض “المؤثرين” الذين لم تكن معانات الساكنة بالنسبة لهم سوى “خلفية” لالتقاط صور دعائية وفق أهله. وبنبرة ملؤها الغضب، يرفض سكان أغبالو تحويل آلامهم إلى مادة “للتسول الرقمي”؛ حيث يُجبر المنكوب على الوقوف أمام الكاميرا لتلقي “قفة مساعدات” لا تغني من جوع أمام حجم ضياع منازلهم.
“نحن ناس، لدينا كرامة ومبادئ”.. بهذه الكلمات لخص أحد المتضررين موقف الساكنة. فهم وفق قوله، يرفضون بشكل قاطع كل محاولات استثمار مأساتهم أو المتاجرة بوجعهم، مؤكدا أنهم أناس لهم “كرامة ومبادئ” ولا يقبلون أن تتحول معاناتهم إلى “صدقات مصورة” أو مزايدات تجارية.
ويشدد السكان، بحسب تعبيرهم، على أن حاجتهم الحقيقية لا تكمن في الاستعراض أو الشفقة، بل في مؤازرة فعلية تحفظ كرامتهم وتساعدهم على استعادة أرضهم وبيوتهم.
ويضيف المتضررون أن ما تشهده مناطق شفشاون اليوم يفرض وقفة حازمة من السلطات والمجتمع المدني، ليس فقط للحد من مخاطر انجراف التربة، بل أيضا للتصدي لما يصفونه بـ“انجراف القيم” الذي يمارسه تجار المآسي فوق أنقاض دوار كان إلى عهد قريب ينعم بالأمان.

