لم يكد رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، ينهي تأكيداته القاطعة تحت قبة البرلمان، خلال جلسة الأسئلة الشفهية الأخيرة، بشأن “عدم وجود أي جماعة ترابية تفتقر للخدمات البريدية في المغرب”، حتى واجهه النائب البرلماني عبد القادر الطاهر، عن الفريق الاشتراكي، بواقع ميداني مغاير تماما، نافيا الرواية الرسمية التي قدمها الوزير.
حيث وضع الطاهر الوزير في موقف محرج حين استدل بجماعة اكزناية المتاخمة لمدينة طنجة، والتي قال إنها تضم قطبا صناعيا حيويا وكتلة سكانية تقارب 90 ألف نسمة، ومع ذلك تعاني من غياب تام لخدمة ساعي البريد، متسائلا بنبرة استنكارية: “إذا كان هذا حال ضواحي طنجة الكبرى، فما بالك بالمناطق البعيدة والنائية؟”.
هذا التناقض الصارخ الذي كشف عنه النائب أمام المسؤول الحكومي لم يتوقف عند حدود الخصاص اللوجستي، بل امتد إلى عمق ما وصفه بـ “أزمة نظام التبليغ” داخل بريد المغرب.
وكشف الطاهر عن ثغرة خطيرة، تهدد السلم القانوني للمواطنين، تتمثل؛ وفق تعبيره، في لجوء المصالح البريدية بالمناطق غير المغطاة إلى إعادة المراسلات الرسمية، سواء الضريبية أو القضائية، مرفقة بعبارة “غير مطالب بها”.
واعتبر النائب أن هذه العبارة تشكل “تضليلا صريحا للإدارة”، لأنها توحي بأن المرفق البريدي قام بواجبه، وأن المواطن هو من تخلف عن الاستلام، في حين أن الواقع يؤكد استحالة التبليغ أصلا، بسبب غياب موزع بريد بالمنطقة.
واسترسل الطاهر في عرض تداعيات هذا الخلل الإداري، مؤكدا أن عددا من المواطنين يتعرضون لـ ظلم إداري وضريبي جسيم نتيجة هذه التقارير المغلوطة، إذ تبادر الإدارة، بناء على عبارة “غير مطالب بها”، إلى تفعيل إجراءات التحصيل القسري أو إصدار أحكام غيابية، وهو ما يمس بحقوق المواطنين في أموالهم وممتلكاتهم دون علمهم، ويمثل؛ حسب تعبيره، مساسا خطيرا بصدقية المراسلات البريدية التي يُفترض فيها الأمانة والدقة.
وفي خطوة زادت من حرج الرواية الحكومية، استشهد النائب عبد القادر الطاهر بأحكام صادرة عن القضاء الإداري المغربي، قال إنها انتصرت للمواطنين وفطنت لهذا الوضع، حيث بات القضاء يحكم ببطلان التبليغات المعتمدة على عبارة “غير مطالب بها” في حال غياب التغطية البريدية الفعلية.
واختتم الطاهر تعقيبه بمطالبة وزير الصناعة والتجارة بالتدخل الفوري لإصلاح نظام التبليغ داخل بريد المغرب، ورفع الظلم عن آلاف المواطنين الذين يجدون أنفسهم ضحايا تقارير بريدية لا تعكس واقع الميدان.

