تعيش المنظومة الصحية بجهة طنجة تطوان الحسيمة على وقع صفيح ساخن، بعد أن فجرت اقتطاعات وصفت بـ”القياسية” وغير المسبوقة من أجور مهنيي الصحة موجة غضب عارمة وسط الشغيلة، في خطوة اعتبرتها الهيئات النقابية بمثابة “إعلان حرب” على الاستقرار الاجتماعي للأطر الطبية والتمريضية، وتهديداً مباشراً لقوتهم اليومي.
وكشفت مصادر مهنية ونقابية أن أجور شهر فبراير حملت مفاجأة صادمة للمئات من العاملين بالقطاع، حيث تراوحت نسب الاقتطاع ما بين 50 و75 بالمائة من الرواتب، فيما وجد آخرون أنفسهم أمام “اقتطاع شبه تام” لأجورهم، وهو ما خلف حالة من الذهول والاستياء العميق، خاصة أن هذه “المجزرة المالية” تمت دون أي إشعار أو إنذار مسبق، مما وضع العديد من الأسر أمام مأزق مادي حقيقي.

وفي تفاعله مع هذا الوضع المتفجر، خرج المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية (ف.د.ش) ببيان شديد اللهجة، وصف فيه ما حدث بـ”الخرق الصارخ” للمقتضيات القانونية التي تحمي الأجر، معتبراً أن المساس بجيوب الشغيلة بهذه الطريقة يعكس “اختلالا إداريا بالغ الخطورة”.

وبرأت النقابة ذمة وزارة الصحة والإدارة العامة للمجموعة الصحية الترابية من هذه الواقعة، موجهة أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى مصالح “الخزينة العامة للمملكة”، ومؤكدة غياب أي سند قانوني أو أوامر إدارية تبرر هذا الإجهاز على رواتب الموظفين، مما يستدعي تدقيقاً عاجلاً لتحديد المسؤوليات.
وعلى خطى التصعيد، دخلت النقابة المستقلة للممرضين على خط الأزمة، واصفة ما تعرضت له الشغيلة بـ”السابقة الخطيرة” التي داست على الجانب الإنساني والاجتماعي، مهددة الاستقرار المعيشي لآلاف الأسر في ظل ظروف اقتصادية صعبة. ولم يتوقف غضب “أصحاب الوزرة البيضاء” عند حد الاقتطاعات، بل امتد ليشمل ملف الانتقالات؛ حيث سجلت النقابة “تأخرا غير مبرر” للمرة الثانية في ظرف شهر واحد في تفعيل مقررات انتقال الممرضين وتقنيي الصحة، معتبرة أن هذا التماطل يكرس “غياب الجدية” ويزيد من ضبابية المشهد في ظل المرحلة الانتقالية الدقيقة التي يعرفها القطاع.
وأمام هذا الوضع، وجهت المكاتب النقابية تعليمات صارمة لفروعها المحلية والإقليمية بالشروع الفوري في جرد لوائح المتضررين، استعدادا لبناء ملف ترافعي لاسترجاع المبالغ “المنهوبة”.
كما لوحت الهيئات الغاضبة بالنزول إلى الشارع وخوض أشكال احتجاجية غير مسبوقة لمواجهة ما أسمته بـ”الارتباك الإداري” الذي يرافق تنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية.
ويأتي هذا الاحتقان في وقت حساس يسعى فيه المغرب إلى إرساء دعائم إصلاح جذري للمنظومة الصحية، وهو ما يجعل من “السلم الاجتماعي” داخل القطاع ضرورة ملحة، باتت مهددة اليوم أكثر من أي وقت مضى بسبب قرارات إدارية قد تعصف بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتحول المؤسسات الصحية إلى ساحة للمواجهة بدلاً من العلاج.

