في أمسية كروية مثيرة احتضنها ملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة، مساء الخميس 8 يناير 2026، حسم ريال مدريد قمة نصف نهائي كأس السوبر الإسباني لصالحه بعد فوز صعب ومستحق على غريمه أتلتيكو مدريد بنتيجة 2–1، ليحجز مقعده في النهائي المرتقب أمام برشلونة.
دخل ريال مدريد المباراة بتركيز ذهني عال، وترجم ذلك سريعا إلى هدف مبكر في الدقيقة الثانية عبر فيديريكو فالفيردي من كرة ثابتة متقنة، هدف أربك حسابات أتلتيكو مدريد ومنح فريق ريال مدريد أفضلية نفسية واضحة. هذا التقدم المبكر سمح لريال مدريد بالتحكم في إيقاع اللعب دون الحاجة إلى اندفاع هجومي مفرط، مفضلا التمركز بكتلة متوسطة والاعتماد على التحولات السريعة خلف أظهرة أتلتيكو.
ردة فعل أتلتيكو لم تتأخر على مستوى الحيازة، لكن الخطة الأصلية لدييغو سيميوني، المبنية على بداية حذرة وإغلاق العمق، انهارت مبكرا. اضطر الفريق للتقدم بخطوطه، إلا أن البناء الهجومي اتسم بالبطء والاعتماد المفرط على العرضيات غير الدقيقة، دون تهديد حقيقي لمرمى تيبو كورتوا.
مع مرور الدقائق، خاصة بين الدقيقة 15 و30، تحول الصراع إلى وسط الملعب. ريال مدريد لعب بثنائي ارتكاز منضبط، حيث تميز أوريلين تشواميني بقطع خطوط التمرير، في المقابل منح تحرك جود بيلينغهام الحر بين الخطوط أفضلية تكتيكية إضافية، إذ جذب لاعبي وسط أتلتيكو وخلق مساحات واضحة للأجنحة، لا سيما فينيسيوس جونيور ورودريغو.
في الدقائق الأخيرة من الشوط الأول، استقر إيقاع المباراة دون فرص حاسمة. ركز ريال مدريد على التمرير الآمن وإبطاء الرتم، مع تفادي أي مغامرة دفاعية، بينما جاء الخطر الحقيقي فقط من التحولات السريعة والكرات الثابتة. أتلتيكو واصل الاستحواذ والضغط، لكن دون اختبار جدي لحارس ريال مدريد، ليبقى الخلل الأساسي في غياب العمق الهجومي والتنويع في الحلول.
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل ريال مدريد بنفس الهيكل الدفاعي المرن 4-4-2 دون كرة، لكنه رفع نسق التحولات الهجومية. وفي الدقيقة 55، استغل الفريق تقدم خطوط أتلتيكو، لتأتي تمريرة عمودية سريعة من الوسط خلف الظهير الأيسر، أنهى على إثرها رودريغو الهجمة بنجاح مسجلا الهدف الثاني. هذا الهدف جسد فلسفة تشابي ألونسو القائمة على الضرب في اللحظة التي يخرج فيها الخصم من منطقته.
أتلتيكو رد سريعا، حيث أسفر ضغطه الأعلى وتقدم الظهيرين عن هدف تقليص الفارق في الدقيقة 58 تقريبًا عبر ألكسندر سورلوث، مستفيدا من كرة عرضية وخلل لحظي في تمركز قلبي دفاع ريال مدريد. الهدف أكد أن أتلتيكو لم يفقد توازنه الذهني، وأعاد المباراة إلى أجواء تنافسية مفتوحة.
بعد هذا الهدف، غير ريال مدريد سلوكه بوضوح. تراجعت الكتلة الدفاعية إلى مستوى متوسط، وتركز الأداء على كسر الإيقاع وإدارة الوقت بذكاء. هذا النهج يفسر قلة الفرص الهجومية لريال مدريد بعد الهدف الثاني، مقابل ثبات تنظيمي واضح.
في المقابل، دفع سيميوني بفريقه للأمام، مع زيادة الكثافة العددية في الثلث الأخير وتسديدات من خارج المنطقة. ورغم ارتفاع المؤشر المتوقع للأهداف لصالح أتلتيكو، فإن معظم الفرص افتقرت إلى الجودة، بسبب التسرع في القرار الأخير والاعتماد الزائد على العرضيات دون تنويع تكتيكي.
خلال الدقائق الأخيرة من المباراة، واصل ريال مدريد إدارة الوقت بذكاء عبر التمريرات القصيرة، والأخطاء التكتيكية عند الحاجة، واستنزاف لاعبي أتلتيكو بدنيا. كورتوا لم يتعرض لاختبارات حقيقية في آخر عشر دقائق، ما يعكس جودة الحماية الدفاعية أكثر من تألق فردي للحارس. في الجهة المقابلة، أصبح ضغط أتلتيكو ضعيف مع غياب الحلول بين الخطوط وعدم وجود لاعب حاسم في اللمسة الأخيرة.
المباراة كشفت الكثير من الدلالات. ريال مدريد، الذي دخل اللقاء رغم غيابات مؤثرة أبرزها كيليان مبابي، أكد عمق تشكيلته وقدرته على إدارة المباريات الصعبة، ليحصل على دفعة معنوية كبيرة بعد بداية موسم متذبذبة. في المقابل، أظهر أتلتيكو أداء قويا من حيث الجرأة والاستحواذ، لكن النقص في الفعالية الهجومية والتركيز أمام المرمى كلفه الخروج من البطولة.
وبهذا الانتصار 2–1، عبر هدفي فالفيردي ورودريغو مقابل هدف سورلوث، يضرب ريال مدريد موعدا مع برشلونة في نهائي السوبر الإسباني، في قمة جديدة تعد بالكثير.

