لم تعد النشرات الإنذارية الجوية في المغرب مجرد معطيات تقنية للاستهلاك اليومي، بل تحولت إلى “صافرات استباق” في مواجهة منظومة مناخية باتت وفق كثيرون تتسم بالتطرف والعنف.
وفي هذا السياق، كشف الخبير البيئي، مصطفى بنرامل، أن توالي هذه التحذيرات ويقظتها الاستثنائية مؤخرا ليسا سوى انعكاس ميداني لواقع مناخي “متقلب وخطر” لا يعترف بالمراحل الانتقالية، واضعا المواطن والبنية التحتية في اختبار مباشر مع الطبيعة.
طوفان “الفترات القصيرة”.. حين تخدع الكميات العقل:
وفي تشخيصه للوضعية الراهنة، أوضح بنرامل أن مناطق الشمال والوسط، لاسيما بجهة فاس–مكناس والرباط–سلا–القنيطرة، واجهت مؤخرا معادلة مناخية معقدة؛ حيث تسببت تساقطات قد تبدو “غير استثنائية” من حيث الكم، في فيضانات مدمرة بـ “وادي الردم” وأودية أخرى. ويكمن السر، حسب الخبير، في “الوتيرة الزمنية”؛ فتركيز المطر في وقت قياسي هو ما حول النعمة إلى نقمة غمرت الأراضي الفلاحية وقطعت شرايين الطرق وعزلت التجمعات السكنية.
صدام “الأطراف”.. من يبوسة الجفاف إلى غضب السيول:
وعلاقة بالتحولات العميقة، لفت بنرامل الانتباه إلى ظاهرة “القفز المناخي” التي شهدها الجنوب الشرقي؛ حيث انتقلت المنطقة من جفاف حاد ومزمن إلى فيضانات طوفانية مفاجئة. هذا الانتقال الحاد، الذي لا يمنح الأوساط الطبيعية فرصة للتكيف، يؤكد؛وفق بنرامل، أن المغرب بات يعيش واقعا يمزج بين موجات حر مفرطة في فصول غير معتادة، وعواصف رعدية عنيفة، مما يجعل النشرات الإنذارية “ترجمة علمية” لبيئة مضطربة لا تستقر على حال.
سيكولوجية الاستهتار.. فاتورة الدم والممتلكات:
وعلى صعيد السلوك البشري، لم يتردد بنرامل في وصف تعامل بعض المواطنين مع التحذيرات بـ “الاستهتار” الذي يقود إلى كوارث محققة.
وأشار ميدانيا إلى تكرار مشاهد الاقتراب من مجاري الأودية، ومحاولة عبور الطرق المغمورة، أو الإصرار على البناء في المناطق الفيضية، وهي سلوكيات تضرب عرض الحائط بالتحذيرات الرسمية، وتؤدي في نهاية المطاف إلى خسائر مادية جسيمة وأضرار بشرية كان من الممكن تحجيمها بالانضباط الوقائي.
الإنذار “ساعة بساعة”.. دلالة التحيين المستمر:
وبخصوص “حمى” التحيين اليومي للنشرات، جزم الخبير البيئي بأن هذا الإجراء يعكس واقعين متلازمين: الأول هو حالة “عدم الاستقرار” الجذري في المنظومة الجوية، والثاني هو القفزة النوعية في منظومات الرصد المغربية التي باتت تلاحق تطور الحالة الجوية لحظة بلحظة.
هذا الاستنفار التقني يهدف إلى تقديم أدق التفاصيل الميدانية لقطع الطريق أمام المفاجآت غير السارة التي يفرضها التغير المناخي.
ثقافة اليقظة كطوق نجاة:
واختتم بنرامل تصريحه بخلاصة “تقريرية” مفادها أن النجاة من مخاطر المناخ رهينة بمدى تحويل النشرات الإنذارية من “معلومة” إلى “ثقافة وسلوك جماعي”.
فالمناطق التي استبقت الخطر بالجدية والوقاية نجحت في تقليص فاتورة الأضرار، مما يثبت أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في التنبؤ بالخطر، بل في كيفية الاستجابة له قبل فوات الأوان.

