رفعت مدينة طنجة الستار عن مهرجانها الشعري في دورته الثالثة عشرة، خلال اليوم الافتتاحي، اليوم الخميس، بمركز إكليل، في نسخة استثنائية اتسمت بالانفتاح القاري والوفاء لذاكرة المبدعين، حيث استُهلت الفعاليات بكلمة افتتاحية لمدير الإعلام والتواصل للمهرجان، خالد الرابطي، توقف فيها عند دلالات العنوان الذي اتخذه المهرجان شعارا له، مبرزا الأبعاد الفلسفية والجمالية التي تؤطر هذه النسخة، مع تركيز خاص على “الهوية الإفريقية” للمهرجان خلال هذه النسخة، معتبرا أن استضافة هذا الزخم من الشعراء الأفارقة تُغني التجربة الشعرية وتمنح القصيدة أبعادا إنسانية أوسع وآفاقاً ثقافية أرحب، تجعل من طنجة نقطة ارتكاز للإبداع القاري.
الشعر كدبلوماسية ثقافية وجسر للتلاقي
وفي سياق متصل، أكدت نائبة عمدة طنجة، سمية العشيري، أن هذا المهرجان أضحى “جسرا للتلاقي” العابر للحدود، موضحة أن الجماعة لا تدخر جهدا في دعم المبادرات الثقافية والابتكارات الإبداعية التي تتسم بالجدية والعمق.
واستحضرت العشيري في كلمتها القيمة الرمزية لتصنيف طنجة “مدينة مبدعة في الأدب” من طرف منظمة اليونسكو، معتبرة أن المهرجان يمثل وجها مشرقا لـ “الدبلوماسية الثقافية” المغربية، كما رحبت بالوفود الإفريقية المشاركة، منوهة بسحر المدينة التي ظلت عبر العصور ملهمة للشعراء والكتاب من مختلف أصقاع العالم.
منير بولعيش.. الشاعر الذي كان “يأكل الشعر كالخبز”
وبانتقال الحدث إلى لحظة الوفاء، خصص المهرجان حيزا مؤثرا لعرض “بورتريه” عن الشاعر الراحل منير بولعيش، تضمن شهادات لزملائه وأصدقائه الذين استعادوا تفاصيل حياته التي كانت مكرسة للكلمة الموزونة.
وفي تصريح لصحيفة “طنجة+”، تحدث صديقه النفس الزكية بن صبيح بنبرة يملؤها الشجن عن تلك “الحالة الشعرية النادرة” التي كان يمثلها بولعيش، واصفا إياه بالشاعر الذي تغنى بكل تفاصيل طنجة ودروبها؛ حيث استذكر بن صبيح حضور الراحل في شارع “البولفار” الشهير قائلا: “كان منير يعيش الشعر كحاجة، كان يأكل الشعر كما يأكل الخبز”، معبرا عن حسرته العميقة لرحيل قامة إبداعية في ريعان شبابها.
أصوات القارة السمراء في ضيافة “البوغاز”
أما الجانب الإبداعي الصرف، فقد تجلى في فقرة القراءات الشعرية التي أدارتها الدكتورة كريمة رحالي، حيث تعاقب على المنصة شعراء من خلفيات جغرافية ولغوية متعددة؛ فقدم الشاعر حميد اديكنيلي ادييمي من نيجيريا نصوصا عكست عمق التجربة الإفريقية، تلاه الشاعر صهيب نبهان من بوركينا فاسو الذي لم يفوت الفرصة للتعبير عن دهشته بجمال مدينة طنجة وتأثيرها في وجدانه.
كما تخللت الأمسية قراءات للموريتاني البو محفوظ، والمغربي عمر الأزمي، وصولا إلى الشاعرة خديجة السعيدي التي توجت الحفل بقصائد تغنت بجمالية طنجة، في مشهد إبداعي عكس التلاحم الثقافي بين المغرب وعمقه القاري.
الأدب في خدمة الإشعاع الوطني ورهانات “الكان”
وفي قراءة للأبعاد التنظيمية، صرح بلال الصغير مدير المهرجان لصحيفة “طنجة+” بأن هذه الدورة تكتسي صبغة خاصة لتزامنها مع أجواء “الكان” في المغرب، مشيرا إلى أن اللجنة المنظمة حرصت على استثمار هذا الزخم الرياضي للترويج لصورة المملكة عبر بوابة الأدب والشعر.
وأوضح الصغير أن الحضور الإفريقي الوازن في المهرجان هو رسالة حضارية تؤكد دور الثقافة في تقريب الرؤى وتعزيز الروابط بين الشعوب، مبرزا أن الشعر يظل الوسيلة الأرقى للتعبير عن طموحات القارة الإفريقية وهويتها المشتركة.

