لم تعد سيارات نقل العمال مجرد وسيلة تقل المستخدمين بين منازلهم ومناطق الشغل، بل تحولت، في أكثر من مناسبة، إلى قنابل موقوتة تجوب طرقات المدن، حاملة معها خطرًا يوميًا يهدد الأرواح.
آخر هذه المآسي ما شهدته منطقة الحرارين بطنجة، حيث لقي شرطي مصرعه بعدما دهسته حافلة لنقل العمال، بينما كان على متن دراجته النارية، متأثرا بجروح بليغة أنهت حياته في مشهد أعاد إلى الواجهة ملفا مسكوتا عنه يتعلق بفوضى قطاع نقل المستخدمين.
السرعة المفرطة، السير في الاتجاه المعاكس، حرق أضواء المرور، وضغط الوصول في الوقت المحدد، لم تعد استثناءات معزولة، بل سلوكيات يومية على طرقات تعرف اختناقا مروريا خانقا، خاصة في المحاور المؤدية إلى المناطق الصناعية البعيدة عن مركز المدينة.
سلوكيات قد تبدو للبعض “ضرورات مهنية”، لكنها في الواقع وصفة جاهزة لكوارث مرورية تتكرر بوتيرة مقلقة.
في هذا السياق، يضع لخضر الزهواني، أحد المهنيين المتتبعين لملف نقل المستخدمين، يده على الجرح، مؤكدا أن الظروف اليومية القاسية التي يشتغل فيها السائقون تشكل عاملا رئيسيا في وقوع الحوادث.
ويوضح أن ساعات الدخول والخروج الصارمة للمستخدمين، إلى جانب بعد المناطق الصناعية والاختناقات المرورية، تدفع السائقين إلى محاولة “تدارك الوقت” بأي ثمن، حتى وإن كان الثمن هو خرق القانون والمخاطرة بالأرواح.
ويكشف الزهواني جانبا أكثر خطورة، حين يؤكد أن عددا من الحوادث يقع في الطرق المستقيمية أو المدارية، حيث يبدو الطريق “آمنا” ظاهريا، لكن الإرهاق وقلة النوم يحولان السائق إلى قنبلة بشرية. “حين يكون السائق تحت ضغط كبير، ومع قلة النوم، قد يغفو لثوان… وهذه الثواني كافية لتحويل الحافلة إلى أداة قتل”، يقول المتحدث بلهجة لا تخلو من التحذير.
ورغم وجود إطار قانوني واضح ينظم القطاع، إلا أن الواقع، بحسب الزهواني، يسير في اتجاه معاكس تماما، فالقانون يمنح السائق 12 ساعة راحة يومية متواصلة، مقابل 9 ساعات عمل و3 ساعات مخصصة للعمليات الجانبية، غير أن هذا التقسيم يبقى، في نظره، حبرا على ورق.
ويقول الزهواني أن”السائق يبقى رهن إشارة الشركة طيلة اليوم، ويُجبر على خرق القانون حتى لا يفقد عمله.. المنظومة التي يعمل بها السائق منظومة فاسدة وخارقة للقانون”، يضيف المتحدث.
هذا الوضع يجعل السائق الحلقة الأضعف داخل سلسلة غير متوازنة، يهيمن عليها المشغل، فيما تتحول السلامة الطرقية إلى تفصيل ثانوي أمام منطق الربح السريع.
وفي هذا الإطار، لم يتردد الزهواني في توجيه انتقادات لاذعة لما سماهم بـ “أصحاب الشكارة”، معتبرا أن فئة واسعة من المستثمرين في القطاع لا ترى في نقل العمال سوى مشروع ربحي، دون أدنى اعتبار لشروط السلامة أو الراحة المهنية للسائقين.
ويرى المتحدث أن هذا المنطق لا يهدد فقط أرواح السائقين والركاب ومستعملي الطريق، بل ينعكس سلبا حتى على الشركات نفسها، التي تجد نفسها غارقة في التعويضات، وإصلاح المركبات، وتدهور السمعة، فضلا عن الخسائر المالية الناتجة عن الحوادث المتكررة.
وفي حديثه عن الحلول، شدد الزهواني على أن العلاج ليس معقدا، بل يبدأ بـالتطبيق الصارم للقانون ودفاتر التحملات، وتمكين السائقين من حقهم في الراحة، إلى جانب إدماج تكوينات السلامة الطرقية داخل المقاولات، باعتبارها ركيزة أساسية للحد من نزيف الأرواح.
ورغم سوداوية الصورة، يؤكد المتحدث أن القطاع لا يخلو من مهنيين واعين بثقافة السلامة ويحترمون الضوابط القانونية، غير أن الخلل، كما يقول، يكمن في “الطرف الآخر” الذي يصر على تسيير القطاع بمنطق الربح قبل الإنسان.. وهو منطق تدفع الطرقات المغربية ثمنه دما وأرواحا.

