احتضن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بطنجة، أمس الأربعاء، فعاليات الدرس الافتتاحي للموسم الثقافي 2025-2026، الذي نظمته المديرية الجهوية لوزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة) بجهة طنجة تطوان الحسيمة. وقد استضاف اللقاء، المؤرخ وعميد الإعلاميين المغاربة محمد الصديق معنينو، في ندوة فكرية تمحورت حول “دور النخب الوطنية في الدفاع عن الوحدة الترابية: استعادات من التاريخ واستشرافات المستقبل”.
وفي كلمة تقديمية، أكدت السيدة زهور أمهاوش، المديرة الجهوية للثقافة، أن استراتيجية المديرية خلال الأعوام الأخيرة باتت تركز على استقطاب النخب والمؤثرين ذوي الوزن المعرفي، معربة عن اعتزازها باستضافة معنينو، واصفة إياه بـ “الصوت الذي صدح لأول مرة عبر التلفزة المغربية معلنا وصول المسيرة الخضراء إلى الصحراء”، وهو الحدث الذي ظل محفورا في الذاكرة الجمعية، وفق تعبيرها.
كما لفتت إلى “جمالية الصدف” التي جمعت بين الحدث والمكان، بالنظر لرمزية الفضاء القريب من موقع خطاب الملك الراحل محمد الخامس التاريخي في 9 أبريل 1947، والذي يحتضن موعد الدرس.
من جانبها، وصفت القيمة على فضاء الذاكرة التاريخية بطنجة المؤرخ معنينو بـ “حارس المعنى”، مؤكدة أنه يمثل صوتا هادئا يحمل في ثناياه “ثقل الدولة” وصورتها، ويساهم بقلمه وفكره في تشكيل الوعي الوطني.
وفي مداخلة اتسمت بالعمق والتحليل، لم يخفِ محمد الصديق معنينو تأثره بالعودة إلى مدينة طنجة، وإلقاء هذا الدرس من فضاء تفوح منه رائحة التاريخ وفق وصفه، لكونه بالقرب من المكان الذي وقف فيه السلطان محمد الخامس ، وهو ما ولد لديه إحساسا بـ “القشعريرة” استحضارا لمكانة طنجة في الوجدان الملكي.
معركة النخب ضد “تجهيل” المستعمر:
وتوقف معنينو مطولا عند سياسة القوى الاستعمارية التي سعت جاهدة لإجهاض أي محاولة لبروز نخب وطنية، إدراكا منها بأن “الوعي هو مقدمة المطالبة بالاستقلال”. واستحضر في هذا السياق “الذكاء النضالي” للنخب المغربية الأولي (الحركة الوطنية) التي وصفها بـ “البراغماتية”، حيث بدأت بمطالب إصلاحية في عام 1934 (برنامج الإصلاحات المغربية) نظرا لمحدودية الإمكانيات آنذاك، قبل أن تكتسب الجرأة الكافية للمطالبة بالاستقلال الكامل لاحقا.
وكشف معنينو عن أرقام صادمة تعكس محاربة فرنسا للتكوين النخبوي، مشيرا إلى أن 45 عاما من الاستعمار لم تترك خلالها فرنسا سوى 5 أطباء و6 مهندسين و3 صيادلة، حيث كان يُمنع المغربي من إكمال مساره الجامعي ويُكتفى له بشهادة البكالوريا، وهو ما خلق تحديا جسيما للمغرب في سنوات الاستقلال الأولى.
من “الشرعية الدولية” إلى “تحدي التنمية”:
وفي قراءته للمستقبل، اعتبر معنينو أن المغرب حقق “تتويجا تاريخيا” قبل أسابيع من خلال الاعتراف الأممي بمغربية الصحراء داخل أروقة الأمم المتحدة، وهو ما وصفه بـ “رخصة الملكية” القانونية والسياسية النهائية.
وأكد أن المشكل الآن بات “داخليا” بامتياز، يتمثل في معركة التنمية التي قطع فيها المغرب أشواطا كبرى، مشددا على الحاجة الماسة إلى “نخب حقيقية وقوية” قادرة على استكمال المسار وتثبيت المكتسبات الوطنية.

