بينما تعيش جهة طنجة-تطوان-الحسيمة على إيقاع موسم جني الزيتون، يرتفع في الأفق دخان أزمة بيئية صامتة باتت تؤرق مضجع الفلاحين والمنظومة البيئية على حد سواء. فخلف جودة “الذهب الأخضر” الذي تشتهر به المنطقة، تتراكم مخلفات سائلة وصلبة (مخلفات المعاصر) والتي تحولت في الآونة الأخيرة إلى كابوس يهدد التربة والفرشة المائية، وسط شكاوى متصاعدة من فلاحي المنطقة.
صرخة من الميدان: فلاحو الجهة في مواجهة “المخلفات”
لم تعد المخاوف البيئية مجرد تقارير حبيسة الرفوف؛ ففي عدد من المناطق التابعة لجهة طنجة، بدأ الفلاحون يدقون ناقوس الخطر، وحسب شهادات متطابقة، يشتكي المزارعون من تسرب مياه “المخلفات السوداء” إلى أراضيهم وضياع مساحات شاسعة من المحاصيل المجاورة للمعاصر، مؤكدين أن التدبير العشوائي لهذه المخلفات بات يهدد سبل عيشهم ويسمم الآبار التي يعتمدون عليها في السقي والشرب.
الخبير مصطفى بنرامل: أرقام تقرع طبول الخطر
في قراءة علمية لهذا الوضع، يصف الخبير البيئي، مصطفى بنرامل في تصريحات لصحيفة”طنجة+”، مخلفات معاصر الزيتون بأنها “تحديات بيئية حقيقية”، كاشفا عن أرقام تعكس حجم الأزمة، فعملية عصر طن واحد من الزيتون تنتج ما يصل إلى 1.2 متر مكعب من مادة “المرجان”، وحوالي 400 كلغ من “الفيتورة” المكونة لهذه المخلفات.
ويوضح بنرامل أن الحجم السنوي لهذه المياه العادمة على المستوى الوطني يتجاوز 3 ملايين متر مكعب، يتم تصريف جزء كبير منها بطرق غير مراقبة، مما يضع النظم البيئية القروية في مواجهة مباشرة مع التلوث.
تشريح التلوث: مياه سامة وتربة محترقة
وفقا للمعطيات التقنية التي قدمها بنرامل، فإن خطورة “المرجان” تكمن في تركيزه العالي من الملوثات، حيث يتكون أساسا من:
الأكسجين المفقود: يصل الطلب الكيميائي على الأوكسجين (DCO) إلى 220.000 ملغ/لتر، وهو ما يتجاوز تلوث المياه العادمة الحضرية بعشرات المرات.
الفينولات السامة: تحتوي هذه المياه على مركبات فينولية بتركيز يصل إلى 10 غرامات في اللتر، وهي مواد قادرة على إعدام صلاحية المياه الجوفية للشرب أو السقي لسنوات طويلة.
تدمير خصوبة التربة: يؤدي الطرح العشوائي للمخلفات إلى رفع حموضة التربة لمستويات حادة (pH < 5)، مما يتسبب في قتل 60% من الكائنات الدقيقة المفيدة، وتراجع المردودية الفلاحية بنسب تصل إلى 40%.
من النقمة إلى النعمة: “الاقتصاد الدائري” كمخرج استراتيجي
في مقابل الصورة القاتمة التي تكشفها الأرقام، يُقدم الخبير بنرامل مقاربة مغايرة تنطلق من رؤية استشرافية تعتبر هذه المخلفات موردا غير مستغل بدل اختزالها في كونها عبئا بيئيا، وذلك عبر تبني نموذج الاقتصاد الدائري كخيار عملي ومستدام.
ويرى بنرامل أن المواد التي تشكل اليوم ضغطا خانقا على المنظومة البيئية، تتوفر على مؤهلات حقيقية لتحويلها إلى ثروة اقتصادية في المستقبل القريب. وفي هذا السياق، يبرز السماد العضوي كأحد الحلول الأساسية، حيث يؤكد الخبير أن معالجة “الفيتورة” تتيح إنتاج “كمبوست” عالي الجودة وغني بالبوتاسيوم، بمردودية تصل إلى نحو 600 كيلوغرام من السماد عن كل طن واحد من المخلفات الصلبة.
وبالتوازي مع ذلك، يشدد بنرامل على أهمية الطاقة الحيوية كبديل طاقي واعد، موضحا أن التجارب العملية أثبتت إمكانية استخلاص ما بين 80 و120 مترا مكعبا من البيوغاز من كل طن من المادة العضوية، وهو ما يسمح، حسب رأيه، بتغطية جزء معتبر من الحاجيات الطاقية للمعاصر نفسها، وتقليص كلفة الإنتاج.
أما على مستوى المعالجة المائية، فيؤكد الخبير أن اللجوء إلى أحواض التبخير أو إلى التقنيات البيولوجية الحديثة يمكن أن يقلص نسبة الملوثات بأكثر من 90 في المائة، ما يفتح آفاقا حقيقية لإعادة استعمال هذه المياه بشكل مضبوط، سواء في سقي المساحات الخضراء أو الزراعات غير الغذائية، في انسجام مع متطلبات السلامة البيئية.
المعادلة الصعبة: كلفة الإصلاح أمام فاتورة الاندثار
ويرى بنرامل أن الانتقال من التشخيص إلى الحل يضع أرباب المعاصر وصناع القرار أمام معادلة اقتصادية دقيقة؛ فبينما تُقدر كلفة معالجة المتر المكعب الواحد من مياه “المرجان” ما بين 20 و40 درهما، تظل هذه الأرقام “هينة” إذا ما قورنت بالفاتورة الباهظة للأضرار البيئية والصحية الناتجة عن التفريغ العشوائي. فالتلوث غير المراقب لا يستنزف جودة المياه فحسب، بل يؤدي إلى تدهور بنيوي في خصوبة التربة وفقدان موارد مائية لا تقدر بثمن، وهي أضرار تتجاوز تكلفتها المادية والزمنية أي استثمار أولي في التجهيزات التقنية للمعالجة.
خلاصة تفرض نفسها: رهان الاستدامة أو النزيف المستمر
تأسيسا على ما سبق، يبدو جليا أن إشكالية مخلفات الزيتون بجهة طنجة قد تخطت سياقها البيئي الضيق لتتحول إلى قضية تنموية وجودية تمس في الصميم جوهر الأمن الغذائي والمائي للمنطقة.
ويخلص الخبير بنرامل إلى أن الرهان الحالي لم يعد يحتمل أنصاف الحلول؛ فإما الاستمرار في “نزيف بيئي” يرهن مستقبل الأجيال القادمة ويقوض قدرة الأرض على العطاء، وإما الانخراط في مسار “الفلاحة المستدامة” التي تحول “المرجان” من سموم سوداء إلى محرك للقيمة المضافة وفرصة للتنمية الترابية المتكاملة.

