منذ توقف موجة التساقطات المطرية الأخيرة، شهدت عدة مناطق مغربية من بينها في شمال المغرب، خصوصا مدن طنجة وتطوان والمناطق الجبلية المحيطة، خلال الأيام الأخيرة موجة برد ملحوظة، ترافقها انخفاضات حادة في درجات الحرارة وتساقط صقيع مبكر في بعض المناطق.
وفي تصريح لـ”طنجة+”، أكد الخبير البيئي مصطفى بنرامل أن الظاهرة “ليست حدثا معزولا، بل جزء من ديناميات مناخية إقليمية واسعة تشهد تحولات مستمرة بفعل التغير المناخي العالمي”.
وأوضح بنرامل أن السبب الرئيسي وراء الانخفاض الكبير في درجات الحرارة هو اندفاع كتل هوائية باردة قادمة من شمال أوروبا نحو حوض البحر الأبيض المتوسط، نتيجة حركة التيار النفاث الذي يتراجع جنوبا في هذه الفترة من السنة. وأضاف أن ارتفاع الضغط الجوي على مناطق شمال وغرب المغرب يسهم في صفاء السماء، ما يسمح بفقدان الحرارة ويزيد من برودة الليل.
كما أشار إلى أن الطبيعة التضاريسية للمناطق الشمالية والمناطق الجبلية، بما فيها جبال الريف والأطلس، تعزز من حدة تأثير هذه الموجة، إذ تتراجع درجات الحرارة بشكل أسرع كلما ارتفعنا نحو القمم الجبلية.
ورغم الإزعاج الشعبي المصاحب لهذه البرودة، أوضح بنرامل أن هناك مجموعة من النتائج الإيجابية لهذه الموجة، خاصة على المستوى البيئي والزراعي.
فمن الناحية البيئية، تشير البرودة إلى قرب توافد الأنظمة المطرية وتساقط الثلوج في الأطلس، والتي تعد مصادر مائية استراتيجية تغذي السدود والفرشات الجوفية تدريجيا خلال الفترات الجافة.
أما على المستوى الزراعي، فتقلل البرودة من انتشار الآفات التي لا تتحمل درجات الحرارة المنخفضة، ما يساعد الفلاحين على خفض الخسائر. كما أن بعض المزروعات، خصوصا الأشجار المثمرة والحبوب، تحتاج إلى قدر معين من البرودة لاستكمال نموها وتجديد حيويتها.
وعلى الجانب الآخر، تحمل موجة البرد بعض التحديات، أهمها تضرر الزراعات الحساسة مثل البطاطس وبعض الخضروات، ما يؤثر على مردودية الفلاحين الصغار. كما تزيد الحاجة إلى التدفئة والتكاليف المرتبطة بها، مما يضع ضغوطا على الفئات الهشة في القرى والمناطق الجبلية. بالإضافة إلى ذلك، تهدد موجة البرد صحة الماشية، وتزيد تكاليف التغذية والمأوى، فضلا عن احتمال عزل بعض الدواوير بسبب التساقطات الثلجية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
ويخلص بنرامل في حديثه لـ”طنجة+” إلى أن التعامل مع موجات البرد يجب أن يتم بمنطق متوازن، يأخذ في الحسبان إيجابياتها البيئية والزراعية من جهة، والتحديات الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى. وشدد على أهمية تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ودعم الفلاحين الصغار، وتوفير برامج وقاية للمناطق الهشة لضمان حماية السكان واستثمار المنافع الطبيعية لهذه الظواهر المناخية.

