يبدو أن التاريخ يعيد نفسه على سواحل الشمال، فبعد سنوات من الجدل الذي رافق انطلاق أشغال ميناء طنجة المتوسطي، وما أثير حينها حول مصير الصيادين التقليديين بمنطقتي واد الرمل والحومة، تعود اليوم نفس المخاوف لتخيّم من جديد على بحارة القصر الصغير، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة مصير غامض، عنوانه الأبرز “التضييق والإقصاء”.
ففي الوقت الذي كان المخطط الأول في بداية الألفية يقضي بشراء مراكب الصيد التقليدي من أصحابها بمبالغ مالية مغرية وتكسيرها للتخلص منها نهائيا، تدخلت السلطات حينها لتصحيح المسار، فتم تشييد ميناء الصيد بالدالية، كخطوة أنقذت مئات الأسر من التشرد، وأبقت على مهنة تعد جزءا من هوية المنطقة وثقافتها.
غير أن مشهد القصر الصغير اليوم لا يختلف كثيرا عن البدايات الأولى لتلك الأزمة، إذ تحدث بحارة لـ”طنجة+” عن مضايقات متكررة، وعن حجز لأوراقهم ومراكبهم دون مبرر قانوني واضح، فقط لأنهم يمارسون الصيد في مصايد ورثوها عن أجدادهم منذ مئات السنين.
أصواتهم باتت ترتفع احتجاجا على ما يعتبرونه “سياسة ممنهجة” لدفعهم نحو ترك البحر، وبيع مراكبهم لصالح مستثمرين كبار يسعون، وفق تعبيرهم، إلى “احتكار البحر كما احتكروا البر”.
وفي الكواليس، بدأ الحديث يدور مجددا عن مقترحات “عباقرة الرأسمالية” – كما يسميهم البحارة بسخرية – القاضية بشراء المراكب من أصحابها وإخراجهم من الميدان، دون أي تصور لمستقبلهم الاجتماعي أو مصدر رزق بديل، وكأن البحر لم يكن يوما موطنهم الأول والأخير.
هؤلاء البحارة يرون أن المغرب بلد يتسع للجميع، وأن حقهم في الصيد جزء من الحقوق البيئية والاقتصادية للمجتمعات المحلية الساحلية، تماما كما تُحترم حقوق المستثمرين وأرباب السفن الكبرى.
فلا يجوز – كما يقول أحدهم – أن تُحترم الحيتان ويُهان الإنسان، أو أن يُمنح البحر للرأسمال ويُمنع عن من عاش عليه وعاش منه جيلا بعد جيل.

