المشهد في طنجة ومدن أخرى منذ نهاية الأسبوع لم يكن عاديا.. آلاف الشباب، معظمهم لم يتجاوز الخامسة والعشرين، جابوا الشوارع في مسيرات حاشدة، رافعين شعارات تطالب بإصلاح التعليم والصحة، وبالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
خرجوا دون وصاية حزبية ولا إطار نقابي، بل مدفوعين فقط بقلق على مستقبل غامض يتربص بهم.. هؤلاء ليسوا أبناء المقرات الحزبية، ولا هم من جيل البيانات السياسية المكررة، إنهم شباب “تيكتوك” و”إنستغرام”، لكنهم اختاروا أن ينقلوا احتجاجهم من الشاشات إلى الميدان.
هذا الجيل الذي يصفه البعض بجيل “اللامبالاة”، أثبت العكس. هو جيل يراقب، يقارن، ويعرف أن بلدانا كانت وراء المغرب في مؤشرات التنمية أضحت اليوم أمامه بأشواط.
جيل يرى أن مستقبله يُهدر بين مدارس عمومية متهالكة، ومستشفيات بلا تجهيزات، وفرص عمل تتحول إلى سراب.
والأخطر أن والي بنك المغرب نفسه أقر بأن معدل بطالة الشباب يلامس 49 في المائة.. أي أن نصف شباب هذا الوطن بلا عمل، بلا أفق، وبلا أمل، ومع ذلك يُطلب منهم الصمت والانتظار!!!
الرسالة التي وجهها جيل “Z” من طنجة ليست مجرد احتجاج عابر، بل ناقوس خطر يدق على مسامع حكومة تعمل بتقنية “3G” برئاسة عزيز أخنوش الذي ربما لديه إنترنت بطيئ، لا يمكنه من متابعة مايجري والتفاعل معه بسرعة!
فالعناد السياسي و”العنجهيّة الحكومية” لن يفضيا إلا إلى مزيد من الاحتقان.. إن الاستمرار في تجاهل هذه الصرخات يعني أن الحكومة تقود البلاد إلى حائط مسدود. والواجب السياسي والأخلاقي يقتضي من رئيس الحكومة أن يتحمل مسؤوليته كاملة: إمّا إصلاحات حقيقية تُترجم على الأرض، وإمّا الاعتراف بالفشل ووضع المفاتيح على الطاولة.
ولعل السؤال الجوهري الذي يطرحه الجميع اليوم هو: ماذا يعني أن يخرج شباب في مقتبل العمر إلى الشارع، شباب لم يتورط في الحسابات السياسية الضيقة، ولا يعرف حتى أسماء الوزراء؟ الجواب واضح: يعني أن الثقة بين المواطن والدولة في أدنى مستوياتها، وأن الشعور باللاجدوى بلغ مداه. هؤلاء لم يعودوا يطالبون بامتيازات أو مكاسب، بل بحقوق أساسية يضمنها الدستور نفسه: تعليم جيد، صحة في متناول الجميع، وفرص عمل تضمن الكرامة.
جيل “Z” ليس جيلا كسولا كما يصفه البعض، بل جيلا ضاق ذرعا بالانتظار. هو جيل تكنولوجي منفتح على العالم، يرى في كل لحظة أن بلدانا أخرى تُغير أوضاعها نحو الأفضل، بينما هو عالق في واقع يزداد تعقيدا.
وإذا كانت الحكومة تعتقد أن هذا الجيل سيُرهَق بالزمن مثل الأجيال السابقة، فهي مخطئة. لأن أدواته مختلفة، وخطابه أوضح، ومطالبه أكثر مباشرة.
لقد آن الأوان للحكومة أن تستمع جيدا، لا عبر تقارير رسمية باردة، بل من خلال النزول إلى الشارع والإنصات إلى نبضه.
المغرب لا يملك ترف إضاعة عقد آخر من الزمن في نقاشات سياسية عقيمة ووعود انتخابية جوفاء. الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالاستجابة للمطالب العادلة، ووضع سياسات واقعية تُخرج الشباب من دائرة البطالة واليأس إلى فضاء الأمل والعمل.
إن تجاهل صوت “جيل Z” اليوم سيكون خطأً تاريخيا، أشبه بإضاعة فرصة أخيرة لبناء تعاقد اجتماعي جديد.. وإذا كانت حكومة “3G” غير قادرة على ذلك، فلتتحلَّ بالشجاعة وتُقر بالفشل، لأن الاستمرار بنفس النهج لن يقود إلا إلى نتيجة واحدة: “غادي تجيب بلاد فالحائط”.

