لم يكن رحيل الحقوقي مصطفى أقبيب حدثا عاديا في مدينة طنجة. فقد غاب رجل جمع بين عمق الفلسفة وصلابة النضال ورهافة الإنسان. أستاذ الفلسفة ومفتشها، والحقوقي البارز، والمناضل اليساري الذي ظل يحمل قضايا الناس ويدافع عنها بعقل يقظ وقلب مفعم بالإيمان. رحل في صمت، لكنه ترك وراءه صدى عميقا، يخلد مسيرة ممتدة من فصول التدريس إلى ساحات النضال، ومن دفء أسرته إلى قلوب أصدقائه ورفاقه.
من الزينات إلى الرباط
وُلد الراحل سنة 1953 بجماعة السبت الزينات بإقليم طنجة أصيلة، حيث عاش طفولة بسيطة وسط الحقول والقطعان. هناك تعلم الصبر والعمل، قبل أن يتجه نحو الدراسة الجامعية بالرباط، ويحصل على الإجازة في الفلسفة من جامعة محمد الخامس. ليعود بعدها أستاذا للفلسفة، ثم مفتشا لها، مؤمنا برسالة التربية ومقتنعا بأن التعليم ليس مهنة بل أمانة ومسؤولية.
مسار نضالي متشعب
إلى جانب دوره التربوي، انخرط أقبيب في مختلف واجهات النضال السياسي والحقوقي والنقابي. من الاتحاد الاشتراكي إلى حزب الطليعة ثم فيدرالية اليسار، ومن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وأيضا رابطة حماية حقوق المستهلك، حيث ظل صوتا ثابتا ومدافعا صلبا عن قضايا الحرية والكرامة. لم يتردد في إعلان انحيازه للقضية الفلسطينية، وظل حتى آخر أيامه يرفع شارتها رمزا للعدل والصمود. كما كان فاعلا في الكشفية الحسنية المغربية، مؤمنا بدور العمل التربوي الشبابي في غرس القيم الإنسانية والوطنية.
المثقف الإنسان
غير أن كل هذه المناصب والصفات لم تكن لتختصر شخصيته. فمصطفى أقبيب كان قبل كل شيء إنسانا استثنائيا كما يصفه من عرفه عن قرب؛ أخلاقه تسبقه، أناقته تعقبه، ومساره يخلده. يذكره رفاقه بابتسامة دافئة ويد حانية، وبقدرة على الإصغاء والنصح تجعل كل لقاء معه تجربة لا تُنسى. في أسرته عاش علاقة ود عميقة مع زوجته الراحلة وأبنائه، وفي محيطه ترك أثرا من الأدب والصواب يصعب أن يتكرر.
رحيل مصطفى أقبيب ليس خسارة لعائلته أو رفاقه فقط، بل لمدينة طنجة. فقد كان واحدا من أهراماتها، جمع بين الفكر والنضال، بين الإيمان والبساطة.

