لا حديث في الشارع المغربي هذه الأيام إلا عن موجة الغلاء المستمرة التي تواصل نهك الجيوب وتجريف القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة، حيث يظل ملف المحروقات—وتحديدا مادة الغازوال التي تشكل الشريان الحيوي للنقل والاقتصاد—الشاهد الأكبر على الفجوة العميقة بين تقلبات الأسواق العالمية وما يدفعه المواطن المغلوب على أمره في محطات التوزيع.
وفي قراءة رقمية نقدية تعيد رسم خارطة هذه الأزمة، وضع الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز العضو في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في تدوينة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك المسار التاريخي لأسعار المحروقات تحت مجهر الحساب، مبرزا كيف تعاقبت الحكومات منذ اعتماد دستور 2011 دون أن تنجح في توفير حماية طاقية تجنب المغاربة اكتواء بأسعار حارقة.
وتكشف الأرقام التي بسطها الفاعل النقابي عن مفارقات صارخة بين الحقب الحكومية المتتالية؛ ففي عهد حكومة بنكيران بلغ متوسط ثمن برميل النفط عالميا حوالي 83 دولارا (ما يعادل زهاء 4.59 دراهم للتر الخام)، ليبلغ متوسط لتر الغازوال للعموم حينها 8.82 دراهم.
وفي عهد حكومة العثماني، وعلى الرغم من انخفاض متوسط ثمن البرميل إلى 60 دولاراً (حوالي 3.58 دراهم للتر الخام)، إلا أن سعر الغازوال للمستهلك لم يتراجع، بل قفز إلى 9.24 دراهم. لتصل الأزمة أوجها في عهد حكومة أخنوش، بعدما ارتفع متوسط البرميل إلى أكثر من 85 دولاراً (نحو 5.24 دراهم للتر الخام)، ليوازيه انفجار غير مسبوق في سعر الغازوال الذي بلغ متوسطه 12.58 درهما، بل ولامس في ذروة الأزمة خلال شهري يوليوز ونونبر 2022 سقفا قياسيا تجاوز 16.5 درهما للتر الواحد على خلفية تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
ويرى التحليل النقابي أن “هذا الشطط في الأسعار والفارق الكبير بين ثمن الخام وسعر البيع النهائي لا يرجع فقط إلى الاكراهات الدولية، بل يعود بالأساس إلى خطأين هيكليين؛ أولهما قرار تحرير أسعار المحروقات الذي حمل المواطن هامش ربح إضافي يناهز درهمين في كل لتر، وثانيهما موقف التفرج والصمت تجاه تعطيل مصفاة “سامير”، وهو القرار الذي حرم البلاد من صمام أمان التكرير والتخزين المحلي، ويكلف الجيب المغربي اليوم نحو 6 دراهم إضافية في كل لتر غازوال”.
وأمام هذه الحقائق الرقمية الصريحة وتضارب البرامج الانتخابية للأحزاب المكونة للتحالف الحكومي، يظل السؤال المعلق والأكثر إلحاحا في الشارع المغربي: هل يمتلك التحالف الحكومي الشجاعة والجرأة السياسية لإلغاء قرار تحرير أسعار المحروقات وإعادة الدفء لشرايين مصفاة “سامير” لحماية الأجراس الاجتماعية، أم أن الحكومات المتعاقبة ستظل على نفس النهج، ويبقى المواطن الأعزل في مواجهة مباشرة مع الغلاء وسط ظرفية دولية مطبوعة بالصراع على الطاقة واللايقين؟


