حقق لانس إنجازا تاريخيًا بتتويجه بكأس السوبر الفرنسي للمرة الأولى في تاريخه، بعدما تفوق على باريس سان جيرمان بهدف دون رد في ملعب بولارت-ديليس، في مواجهة جمعت بطل الدوري الفرنسي ببطل كأس فرنسا، وانتهت بسقوط أحد أكبر المرشحين للقب أمام فريق لعب بانضباط تكتيكي كبير ونجح في الصمود حتى النهاية رغم خوضه الدقائق الأخيرة بعشرة لاعبين.
وجاء هذا التتويج ليمنح لانس أفضل بداية ممكنة للموسم، بعدما أنهى انتظارا استمر 28 عاما منذ مشاركته الوحيدة السابقة في كأس السوبر الفرنسي، والتي خسرها أيضًا أمام باريس سان جيرمان. هذه المرة، كان السيناريو مختلفا تماما، إذ نجح الفريق في قلب التوقعات وتحقيق انتصار تاريخي أمام بطل أوروبا.
دخل باريس المباراة في ظروف بدنية غير مثالية، بعدما خاض قبل أيام قليلة فقط نهائي كأس السوبر الأوروبي أمام أستون فيلا، إضافة إلى فترة تحضير قصيرة عقب الصيف المزدحم الذي شهد مشاركة عدد كبير من لاعبيه في كأس العالم.
وكانت مسألة الجاهزية البدنية محل نقاش قبل بداية الموسم، وهو ما ظهر بشكل واضح في بعض فترات المواجهة.
في المقابل، دخل لانس المباراة بتركيز عال، مستفيدا من أجواء ملعبه ومعرفة مدربه بكيفية التعامل مع نقاط قوة باريس. اعتمد الفريق على تنظيم دفاعي متماسك، مع ضغط متقطع عند بداية بناء اللعب، ثم التحول السريع إلى الهجوم بمجرد استعادة الكرة. الأهم كان تقارب الخطوط، إذ نجح لانس في إغلاق المساحات بين الوسط والدفاع وحرمان لاعبي باريس من المناطق التي اعتادوا استغلالها في أنصاف المساحات.
ورغم أن باريس امتلك الكرة معظم فترات اللقاء، فإن استحواذه لم يكن بالفاعلية المعتادة. فقد بلغت نسبة الاستحواذ 69% لباريس مقابل 31% لانس، وأكمل الفريق الباريسي 727 تمريرة مقابل 319 للمنافس، لكن هذا التفوق لم يتحول إلى سيطرة هجومية حقيقية على المرمى.
الفرق ظهر بوضوح في التعامل مع الفرص. باريس سدد 22 كرة طوال المباراة مقابل 8 تسديدات فقط لانس، وحصل على 6 ركلات ركنية مقابل ركلتين، لكنه اصطدم بدفاع منظم وحارس تألق في أصعب اللحظات. وتساوى الفريقان في عدد الفرص الكبيرة، بواقع فرصتين محققتين لكل فريق، وهو ما يوضح أن لانس نجح في تقليص جودة الفرص الباريسية رغم الفارق الكبير في الاستحواذ وعدد التسديدات.
ولم يكتف لانس بالدفاع السلبي، بل انتظر اللحظة المناسبة للضرب، واستغل إحدى هجماته للوصول إلى الهدف الذي حسم المباراة. وبعد التقدم، أصبح الهدف واضحا: إغلاق المساحات، تقليل سرعة المباراة، وإجبار باريس على البحث عن الحلول الفردية بدل بناء الهجمات الجماعية المنظمة.
ومع مرور الوقت، بدأ الضغط الباريسي يزداد، لكن لانس حافظ على تماسكه. وكان الاختبار الأكبر عندما اضطر الفريق إلى إكمال المباراة بعشرة لاعبين، وهي اللحظة التي كان يمكن أن تنهار فيها المنظومة أمام ضغط بطل أوروبا، إلا أن أصحاب الأرض أظهروا صلابة استثنائية في الدفاع عن تقدمهم.
أما باريس سان جيرمان، فكان بحاجة إلى مزيد من السرعة والدقة في الثلث الأخير. كثرة التمريرات والاستحواذ لم تكن كافية أمام كتلة دفاعية تحركت بشكل جماعي وأغلقت العمق باستمرار. ومع انخفاض المساحات وارتفاع الاستعجال، أصبحت هجمات باريس أكثر قابلية للقراءة، وهو ما سمح للانس بالصمود وإجبار منافسه على الاعتماد على التسديدات والمحاولات الفردية.
وبالنسبة إلى لويس إنريكي، فإن الخسارة لا تعني بالضرورة وجود أزمة فنية، لكنها تؤكد أن باريس ما زال بحاجة إلى استعادة كامل جاهزيته البدنية والانسجام بين لاعبيه بعد صيف استثنائي وموسم جديد بدأ مباشرة بعد مواجهة أوروبية قوية.
في النهاية، لم يكن فوز لانس على باريس مجرد مفاجأة عابرة، بل نتيجة مباشرة لانضباط دفاعي شديد، وتقارب بين الخطوط، واستغلال جيد للحظات الهجومية، ثم قدرة استثنائية على إدارة النتيجة تحت الضغط وحتى بعد النقص العددي.
أما باريس سان جيرمان، فقد بدأ موسمه المحلي بخسارة لقب، لكنه يملك الوقت الكافي لتصحيح المسار واستعادة إيقاعه. بينما خرج لانس من هذه المواجهة بإنجاز تاريخي ورسالة واضحة: في المباريات النهائية، لا يفوز دائما من يمتلك الكرة أكثر، بل من يعرف كيف يدافع، وكيف يستغل لحظته، وكيف يصمد عندما تصبح المباراة في أصعب مراحلها.


