بقلم: أنوار بن التهامي
أعادت أحداث سبتة الأخيرة إلى الواجهة سؤالا لم يعد بالإمكان تأجيله: هل يخوض المغرب معركة السرديات في الفضاء الرقمي بالأدوات التي يفرضها عصر المنصات، أم أنه ما زال يكتفي بردود الفعل بعد أن تكون قناعات الرأي العام قد تشكلت بالفعل؟
لم تعد الحروب تخاض بالسلاح وحده، ولا تحسم الأزمات في الميدان فقط. ففي العصر الرقمي، غدت السرديات إحدى أهم أدوات القوة والتأثير، تتنافس فيها الدول والمؤسسات والفاعلون المختلفون على كسب الرأي العام وصياغة إدراكه للأحداث. ومن ينجح في فرض روايته أولا، يمتلك أفضلية لا تقل أهمية عن أي تفوق ميداني.
في هذا السياق، لم تعد أحداث سبتة مجرد تحد أمني أو ملف للهجرة غير النظامية، بل غدت نموذجا صارخا لحرب السرديات في الفضاء الرقمي. فمع كل تطور ميداني، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو وصور وتعليقات وتحليلات متضاربة، وتتنافس الروايات على احتلال وعي المتلقي، بينما تتشكل مواقف آلاف الشباب خلال ساعات معدودة انطلاقا مما يشاهدونه على هواتفهم، أكثر مما يتابعونه عبر وسائل الإعلام التقليدية أو البيانات الرسمية.
وقد جسدت الأحداث الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح. فقبل صدور أي معطيات رسمية، كانت المنصات الرقمية قد امتلأت بمحتوى متنوع، كثير منه مقتطع من سياقه أو مصحوب بتفسيرات متناقضة: مقطع فيديو قديم يعاد تدويره على أنه “عاجل”، أو رقم متداول دون مصدر يتحول خلال دقائق إلى “حقيقة” في أذهان آلاف المتابعين. وفي وقت وجيز، تشكلت لدى أعداد كبيرة تصورات ومواقف استنادا إلى محتوى لم يخضع، في الغالب، لأي تحقق مهني. وهكذا، لم يعد التحدي مقتصرا على إدارة الحدث ميدانيا، بل امتد ليشمل إدارة الرواية التي تُبنى حوله.. لقد غيرت الثورة الرقمية طبيعة إدارة الأزمات جذريا.
فلم تعد السيطرة على الميدان وحدها كافية، بل أصبحت سرعة تقديم المعلومة الدقيقة، وشرحها في سياقها الصحيح، عنصرا حاسما في تشكيل الرأي العام. ففي زمن المنصات، كثيرا ما تسبق السرعة الحقيقة، ويعلو الانتشار على التحقق — وهذه معادلة تصب غالبا في مصلحة من يملك المبادرة، لا من يملك الحق.
وفي المقابل، يبدو الخطاب المؤسساتي، في أحيان كثيرة، غائبا عن المنصات التي يقضي فيها الشباب معظم وقتهم، أو يصل متأخرا بعدما تكون روايات أخرى قد فرضت نفسها وحصدت انتشارا واسعا يصعب تعويضه لاحقا مهما بلغت دقة الرد. وهذا يطرح سؤالا جوهريا: هل يمتلك المغرب اليوم استراتيجية إعلامية رقمية قادرة على مواكبة سرعة الأحداث، والمنافسة داخل الفضاء الذي تصنع فيه اتجاهات الرأي العام؟
لقد كشفت أحداث سبتة، كما كشفتها محطات سابقة، أن الأمن وحده لا يكفي لتدبير الأزمات.
فحماية الحدود مسؤولية سيادية لا جدال فيها، غير أن حماية الوعي مسؤولية موازية لا تقل خطورة. فعندما يتأخر المحتوى المهني السريع والموثوق، يملأ الفراغ محتوى آخر، مجتزأ أو مضلل أو موجه لخدمة سرديات مضادة.
ولا يتعلق الأمر بصناعة خطاب دعائي، بل ببناء منظومة إعلامية رقمية حديثة، قادرة على إنتاج محتوى سريع ودقيق، وتقديم المعلومة في توقيتها المناسب، وشرح الأحداث في سياقها، ومجابهة التضليل بالمعلومة الموثقة لا بالصمت أو التكذيب المتأخر.
ويستدعي ذلك استثمارا حقيقيا في غرف رصد رقمي دائمة، تجمع بين خبرات أمنية وإعلامية وتقنية، وتعمل على مدار الساعة لا بشكل موسمي مرتبط بالأزمات فقط؛ كما يستدعي تعزيز آليات التحقق من المحتوى، وإنتاج مواد تناسب طبيعة كل منصة على حدة، والاستثمار في كفاءات إعلامية وشبابية تتقن لغة الجمهور وخوارزميات المنصات التي يتحرك فيها.
لقد تغيرت طبيعة المنافسة على الرأي العام تغيرا جوهريا. فالدول لم تعد مطالبة بإدارة الحدث فحسب، بل بإدارة الرواية التي تبنى حوله. وحين تترك فراغا في الفضاء الرقمي، فإنها لا تتركه فارغا أبدا، بل تفسح المجال أمام روايات أخرى لتملأه، وقد لا تكون منسجمة لا مع مصالحها ولا مع حقيقة ما يجري على الأرض.
إن الدرس الذي تفرضه سبتة اليوم واضح: حماية الحدود مسؤولية سيادية، لكن حماية الوعي مسؤولية استراتيجية لا تقل عنها أهمية. ففي عصر المنصات الرقمية، لا يكفي أن تمتلك الحقيقة، بل ينبغي أيضا أن تمتلك القدرة على إيصالها بسرعة، وباللغة التي يفهمها الجمهور، وبالأدوات التي يستخدمها يوميا.
ولذلك، فإن بناء إعلام رقمي مهني، سريع وموثوق، لم يعد ترفا يؤجل، بل أصبح أحد مرتكزات الأمن الوطني بمعناه الشامل — فالمعركة التي لا تخاض في وقتها، تخسر غالبا قبل أن تبدأ.


