أنهى مجلس النواب، اليوم الاثنين، فصلا مثيرا من فصول “كسر العظام” بين الحكومة وهيئات المحامين، بعدما صادق بالأغلبية العدديّة المريحة على مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، مفعّلا منطق “البلدوزر” لحسم نص تشريعي سال حوله الكثير من المداد، وأخرج “أصحاب البذل السوداء” في احتجاجات عارمة شلت المحاكم لأسابيع.
وجاء تمرير المشروع المثيل للجدل في جلسة ماراطونية عاصفة، حظي فيها بتأييد 85 نائبا من فرق الأغلبية، في حين عارضه 35 نائبا من فرق المعارضة، لينتقل النص بذلك إلى الغرفة الثانية (مجلس المستشارين)، وسط أجواء مشحونة وترقب مهني غير مسبوق.
ولم تخلُ كواليس الجلسة التشريعية من “التشويق” السياسي؛ إذ حاولت مكونات المعارضة، في ربع الساعة الأخير، فرملة قطار المشروع عبر تفعيل مقتضيات المادة 204 من النظام الداخلي للمجلس، مطالبة بإرجاع النص إلى لجنة العدل والتشريع لإعادة تعميق النقاش وتجاوز “النقط الخلافية” التي تهدد السلم الاجتماعي داخل قطاع العدالة.
وقد تقدم برؤساء الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ملتمس مشترك اعتبروا فيه أن المشروع صِيغ بنفَس “تحكمي” ولا يزال يضم ألغاما قانونية ومهنية تمس بضمانات المحاكمة العادلة، غير أن منطق “الأغلبية العددية” كان بالمرصاد؛ إذ أشهرت الحكومة ونوابها فيتو الرفض ضد الملتمس، متمسكين بالمرور المباشر للتصويت، وهو ما اعتبرته مصادر من المعارضة “تغولا تشريعيا” يضرب عرض الحائط بالمقاربة التشاركية.
هذا السجال الساخن تحت قبة البرلمان لم يكن إلا صدى لـ”غليان” حقيقي تعيشه ردهات المحاكم المغربية؛ فقد خاضت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، مدعومة بنقباء ممارسين وسابقين، معارك ضارية ضد مقتضيات المشروع التي اعتبروها “تراجعا نكوصيا” يمس باستقلالية المهنة وحصانة المحامي.
وتميزت الأشهر الماضية بإضرابات شلت حركة المتقاضين وأجلت آلاف الملفات، فضلا عن وقفات احتجاجية واعتصامات كان أبرزها الاعتصام التاريخي أمام مبنى البرلمان بالرباط، تزامناً مع مناقشة التعديلات داخل اللجنة. وينتقد المحامون بشدة مقتضيات تهم شروط الولوج إلى المهنة، والتضييق على آليات الدفاع، وتغيير منظومة التأديب، فضلاً عما يصفونه بـ”محاولة إضعاف المؤسسات المهنية لفائدة سلطة الوصاية”.
في المقابل، أبدت الحكومة، ومعها فرق الأغلبية، صرامة كبيرة في الدفاع عن المشروع؛ حيث اعتبرت وزارة العدل أن النص يشكل قفزة نوعية لـ”تحديث” إطار قانوني متجاوز يعود لعقود مضت، مؤكدة أن زمن “الامتيازات المطلقة” قد ولى، وأن اللحظة تقتضي ملاءمة القوانين مع التحولات الرقمية والحكامة والشفافية داخل منظومة العدالة، ومشددة على أن النص نال حقه كاملا من النقاش والتعديل داخل اللجنة المختصة.
وبينما وضعت الغرفة الأولى نقطة النهاية لهذا الفصل، تتجه الأنظار الآن إلى مجلس المستشارين، حيث يُرتقب أن تنقل هيئات المحامين معركتها وترافعها إلى “الغرفة الثانية” في محاولة لانتزاع تعديلات اللحظة الأخيرة، مما ينذر بأن “المسلسل التشريعي” لقانون المحاماة لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وأن جمر الغضب المهني لا يزال يشتعل تحت الرماد.

