رغم استمرار معدلات البطالة في مستويات مرتفعة بالمغرب، تشتكي بعض الشركات الصناعية بمدينة طنجة، خاصة العاملة في قطاع الكابلاج والصناعات الموجهة للتصدير، من صعوبات متزايدة في استقطاب اليد العاملة وتغطية حاجياتها من الموارد البشرية.
ويثير هذا الوضع نقاشا متجددا حول طبيعة التحولات التي يشهدها سوق الشغل بالمدينة، في ظل توسع النشاط الصناعي وتزايد الطلب على العمالة من جهة، واستمرار وجود أعداد من العاطلين من جهة أخرى.
وفي خضم هذا النقاش، تتباين التفسيرات المقدمة لهذه الظاهرة بين من يربطها بخصائص بعض المهن والوظائف المعروضة، ومن يعزوها إلى عوامل اقتصادية واجتماعية مرتبطة بظروف العمل ومستويات الأجور وكلفة المعيشة.
وفي هذا السياق، قدم الخبير الاقتصادي خالد أشيبان قراءته لأسباب الصعوبات التي تواجهها بعض الشركات في استقطاب اليد العاملة، مبرزا مجموعة من العوامل التي يرى أنها تفسر هذه الوضعية.
حيث يرى الخبير الاقتصادي خالد أشيبان أن الصعوبات التي تواجهها بعض الشركات الصناعية بطنجة في استقطاب اليد العاملة لا تعكس بالضرورة تناقضا بين ارتفاع معدلات البطالة ونقص العمال، بقدر ما ترتبط بمجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بواقع المدينة وتطور كلفة العيش بها.
وأوضح أشيبان، في تصريح لصحيفة “طنجة+”، أن بعض القطاعات تتطلب بالفعل يدا عاملة مؤهلة في تخصصات معينة، غير أن هذا التفسير لا ينطبق على جميع الأنشطة الاقتصادية، مشيرا إلى أن قطاعات مثل الكابلاج والفلاحة لا تحتاج في الغالب إلى تكوين متخصص يصعب توفيره، بل يمكن تأهيل العاملين بها في فترة زمنية قصيرة نسبيا.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الإشكال المطروح في طنجة يرتبط أساسا بظروف العمل ومستوى الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة، مبرزا أن المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة جعلتها قطبا حضريا واقتصاديا يستقطب أعدادا متزايدة من السكان، الأمر الذي انعكس على أسعار السكن والنقل ومختلف متطلبات الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، اعتبر أشيبان أن الأجور المعتمدة في بعض القطاعات الصناعية، والتي تقترب من الحد الأدنى للأجور أو تتجاوزه بفارق محدود، لم تعد كافية لتغطية متطلبات العيش بمدينة تعرف ارتفاعا متواصلا في تكاليف المعيشة، وهو ما يحد من جاذبية هذه الوظائف بالنسبة للباحثين عن العمل، سواء من داخل طنجة أو من خارجها.
كما أشار المتحدث ذاته إلى أن ارتفاع تكاليف الكراء والنقل، إلى جانب ظروف العمل التي وصفها أحيانا بالصعبة وساعات العمل الطويلة في بعض الحالات، كلها عوامل تؤثر على قدرة الشركات على استقطاب اليد العاملة والاحتفاظ بها.
وسجل أشيبان أن العديد من المستثمرين استفادوا عند بداية استقرارهم بالمغرب من توفر يد عاملة منخفضة التكلفة ومن مختلف التحفيزات الممنوحة للاستثمار، غير أن المعطيات الاقتصادية والاجتماعية تغيرت مع مرور الوقت، خاصة بعد موجات التضخم التي أثرت على القدرة الشرائية للأسر ورفعت من كلفة المعيشة.
وبناء على ذلك، دعا الخبير الاقتصادي إلى مواكبة هذه التحولات من خلال مراجعة مستويات الأجور وتحسين ظروف العمل وتطوير التحفيزات الموجهة للعاملين، معتبرا أن هذه الإجراءات من شأنها تعزيز جاذبية القطاعات الصناعية التي تواجه صعوبات متزايدة في التوظيف.
وفي رده على فرضية تغير نظرة الشباب إلى هذه المهن، أكد أشيبان أن العامل الحاسم في نظره لا يتعلق بتبدل المواقف تجاه العمل في هذه القطاعات، بقدر ما يرتبط بعدم مواكبة الأجور لارتفاع تكاليف الحياة، مشددا على أن هذه الإشكالية لا تقتصر على قطاع الكابلاج وحده، بل تمتد إلى عدد من القطاعات الأخرى رغم استمرار معدلات البطالة في مستويات مرتفعة.

