احتضنت مدينة طنجة، أمس الخميس، لقاء جهويا موسعا نظمته اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة تطوان الحسيمة، تحت عنوان “العدالة المنصفة: مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”.
شكل اللقاء، الذي يأتي تخليدا لليوم العالمي للمرأة، منصة لتشريح واقع الترسانة القانونية المغربية ومساءلة نجاعتها في تحقيق إنصاف فعلي للنساء، بعيدا عما أسماه المشاركون :”المساواة الشكلية”
سلمى الطود: “العدالة غير المنصفة” وتحدي التفعيل
في مستهل اللقاء، أكدت سلمى الطود، رئيسة اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان، أن الحديث عن “عدالة منصفة” يحمل في طياته إقرارا بوجود “عدالة غير منصفة” حاليا، مشددة على أن المساواة أمام القضاء هي الركيزة الأساسية لأي عدالة حقيقية.
وأوضحت الطود أن حملات المجلس الوطني لحقوق الإنسان لتشجيع التبليغ عن العنف تصطدم بـ”نوع من الإحباط” لدى النساء نتيجة عدم التكافؤ أمام القضاء.
ورغم إشادتها بالتقدم الذي أحرزه المغرب على مستوى الدستور والتفاعل مع المواثيق الدولية، إلا أنها سجلت بأسف تعثر ملاءمة القوانين الوطنية مع هذه الالتزامات، مستشهدة بتأخر صدور مدونة الأسرة الجديدة.
وأشارت الطود إلى أرقام وصفتها بالمقلقة تفيد بأن المرأة لا تتمتع عالميا إلا بـ 64% من الحقوق القانونية المتاحة للرجل، منبهة إلى استمرار “فراغات قانونية” في المغرب تتعلق باستمرار تزويج القاصرات، والتمييز في قانون الجنسية.
وأبرزت الطود أن تنظيم هذا اللقاء يندرج في سياق إغناء النقاش العمومي والترافع المؤسساتي، ليس فقط من أجل رصد العوائق، بل بهدف الانتقال من مرحلة “الاعتراف القانوني” بالحقوق إلى ضمان ممارستها بشكل فعلي ومنصف داخل المحاكم.

عائشة أشبهار: “فجوة” بين النص والممارسة
من جهتها، قاربت الأستاذة بالمعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة، عائشة أشهبار، الإطار القانوني الوطني في ضوء المستجدات التي تلت دستور 2011، معتبرة أن تناول هذا الملف يقتضي بالضرورة ربط النصوص القانونية بسياقات تطبيقها والتحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي.
وأوضحت أشهبار أن القوانين التي تلت الوثيقة الدستورية شكلت “جيلا أول” من الإصلاحات، غير أن التحولات التي برزت منذ عام 2016، وعلى رأسها الطفرة الرقمية، أفرزت إشكالات معقدة تجعل من غير الكافي الاستمرار في المقاربات التقليدية نفسها دون مساءلة قدرة النصوص على مواكبة الواقع المتغير.
وفي سياق متصل، شددت الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي على أن المرجعيات الدولية لم تعد تحصر النقاش في “الحواجز القانونية”، بل أصبحت تربطها بظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية شاملة؛ مذكرة بأن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تفرض ضمان حماية قانونية فعالة للنساء على قدم المساواة مع الرجال.
واعتبرت أشهبار أن الولوج الحقيقي للعدالة لا ينفصل عن شروط الإنصاف خلال مختلف مراحل المساطر القضائية، ولا عن النجاعة في “جبر الضرر” للناجيات من العنف، مسجلة في الوقت ذاته استمرار فجوة عميقة بين المقتضى القانوني والممارسة الواقعية.
كما توقفت المتحدثة عند “عدم التناغم” بين الترسانة القانونية، ضاربة المثل بالتصادم بين القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وقانون التنظيم القضائي لسنة 2022، حيث تظل اللغة وفق المتحدثة عائقا بنيويا يحول دون وصول النساء الأمازيغيات للعدالة منذ لحظة تحرير الشكاية.
وإلى جانب تساؤلها عن مدى تأهيل المساعدين الاجتماعيين لاستقبال الحالات الوافدة، نبهت أشهبار إلى أن “العنف الرقمي” بات يكبل النساء في ظل غياب أثر ملموس للنصوص القانونية الحالية، التي تظل في كثير من جوانبها مجرد “تنظير” يفتقر للنجاعة المطلوبة على أرض الواقع، وفق ذات المتحدثة.

أنس سعدون: العنف الإجرائي و”كلفة” التقاضي
وفي سياق متصل، شدد أنس سعدون، المستشار بديوان رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على أن العدالة المنصفة تقتضي الإقرار بأن النساء يواجهن تفاوتا تاريخيا يجعل المساواة في النصوص غير كافية.
وانتقد سعدون ما أسماه “العنف الإجرائي”، المتمثل في ضعف تداول المعلومة القانونية وغياب إشعار المتقاضيات بحقوقهن داخل المحاكم، فضلا عن تعقيد اللغة القضائية.
ونبه سعدون إلى إشكالات لوجستيكية تبدأ من “حارس الأمن” الذي يستقبل المرأة في المحكمة، مرورا بغياب الولوجيات لذوي الإعاقة، وصولا إلى ما وصفه “بمعضلة الإثبات” وتكلفة التقاضي.
ودعا المتحدث إلى مراجعة شاملة لنظام المساعدة القضائية وتفعيل “واجب العناية” الذي يحمل الدولة مسؤولية حماية النساء وتوفير شروط الانتصاف، مع ضرورة تسجيل إفادات الضحايا مرة واحدة لتفادي تعميق معاناتهن من خلال تكرار سرد تفاصيل العنف.

أسماء بنعدادة: “الوصم الاجتماعي” وسلطة الموروث
أما على المستوى السوسيولوجي، فقد اعتبرت أستاذة علم الاجتماع، أسماء بنعدادة، أن الموروث الثقافي هو “العنصر الحاسم” الذي يعيق ولوج النساء للعدالة.
وأوضحت أن تداخل الفقر مع الأمية يخلق وضعا معقدا يمنع النساء من المطالبة بحقوقهن، خاصة في ظل “الوصم الاجتماعي” الذي ينظر للمرأة التي ترتاد المحاكم بنظرة قدحية.
وأكدت بنعدادة أن “الثقافة الأبوية” لا تزال تبرر العنف تحت ذريعة “الشرف” أو “تماسك الأسرة”، مما يساهم في حرمان النساء من حقوق أساسية.
وخلصت إلى أن أي إصلاح قانوني لن يحقق أهدافه دون “تغيير ثقافي عميق” يفكك الهيمنة الذكورية ويشجع النساء على كسر حاجز الصمت والخصوصية الأسرية التي تخفي خلفها انتهاكات جسيمة.

