بقلم الفاعل المدني: محمد الطيب بوشيبة
لم يعد النقاش حول التعليم عن بُعد ترفا فكريا، بل أصبح سؤالا مجتمعيا حارقا يلامس جوهر العدالة التربوية وكرامة المتعلم. فبين من يراه بديلا عصريا واعدا، ومن يعتبره تهديدا لجودة التعلم وتكافؤ الفرص، تضيع أحيانا الحقيقة في ضجيج المواقف المتسرعة.
بوصفي تربويا وفاعلا مدنيا، أرى أن السؤال الحقيقي ليس: هل التعليم عن بُعد يوازي التعليم الحضوري؟
بل: هل نحن، كمجتمع وهيئات ومؤسسات، هيأنا الشروط ليكون تعليما عادلا وفعّالا؟
التعليم الحضوري ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو فضاء إنساني حيّ تُبنى فيه القيم قبل الدروس، وتتشكل فيه الشخصية عبر التفاعل المباشر. داخل الفصل، لا يتعلم التلميذ الرياضيات فقط، بل يتعلم الانضباط والحوار والاختلاف. وهذه أبعاد يصعب نقلها كاملة عبر شاشة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن التعليم عن بُعد فتح آفاقا غير مسبوقة: الوصول إلى المعرفة دون قيود جغرافية، وتمكين فئات كانت مهمشة، وتكريس التعلم الذاتي كقيمة أساسية في عصر المعرفة للجميع. لكنه، في الوقت نفسه، كشف هشاشتنا الرقمية وفضح التفاوتات الصارخة بين من يملك الوسائل ومن يُقصى بصمت.
إن أخطر ما في التعليم عن بُعد ليس ضعفه البيداغوجي، بل خطره الاجتماعي حين يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الفوارق بدل تقليصها. كيف نتحدث عن تكافؤ الفرص، وهناك من يتابع دروسه عبر حاسوب حديث وإنترنت سريع، وآخر يقتسم هاتفا بسيطا مع إخوته؟
ثم هناك البعد الصامت: المرونة النفسية.
لقد وضع التعليم عن بُعد المتعلم أمام اختبار قاس: أن يكون رقيبا على نفسه، محفزا لذاته، ومقاومًا للعزلة في آن واحد. وهذا ليس بالأمر الهيّن، خاصة في بيئة تفتقر إلى الدعم الأسري أو التوجيه التربوي.
إننا اليوم أمام مفترق طرق:
إما أن نتعامل مع التعليم عن بُعد كحل ترقيعي ظرفي في الأزمات…
أو أن نجعله فرصة لإعادة التفكير في منظومتنا التربوية من أساسها.
الحل ليس في المفاضلة بين الحضوري وعن بُعد، بل في بناء نموذج تعليمي مدمج، يزاوج بين دفء العلاقة الإنسانية وقوة التكنولوجيا. نموذج يُنصف المتعلم في القرية كما في المدينة، ويجعل من المعرفة حقا لا امتيازا.
ختاما،
التعليم عن بُعد ليس خطرا في ذاته…
الخطر هو أن ندخله بعقلية الأمس، وأدوات الأمس، ومنطق الأمس.
لأن المستقبل لا ينتظر المترددين… بل يُكافئ المستعدين.

