بقلم عبد المنعم الفلاح: باحث في العلوم الاقتصادية
منذ سنوات، يتكرر نفس الخطاب في النقاش العمومي حول الاقتصاد المغربي: المقاولات الصغرى والمتوسطة هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وهي المحرك الأساسي لخلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار.
غير أن الواقع العملي يكشف مفارقة واضحة، فبينما يتعزز هذا الخطاب في التقارير الرسمية والندوات الاقتصادية، يواجه عدد كبير من حاملي المشاريع طريقاً طويلاً ومعقداً عندما يتعلق الأمر بالحصول على التمويل البنكي.
فالمقاول الذي يقرر خوض تجربة الاستثمار لا يواجه فقط تحديات السوق والمنافسة، بل يجد نفسه أيضاً أمام منظومة تمويلية تتسم بكثير من الحذر والتعقيد. وعلى الرغم من إطلاق عدة برامج وطنية لدعم التمويل، فإن الوصول الفعلي إلى القروض البنكية يظل بالنسبة لكثير من المقاولين مساراً مليئاً بالعراقيل.
برامج طموحة… ونتائج محدودة:
خلال السنوات الأخيرة، راهنت الدولة على إطلاق آليات تمويلية مهمة بهدف تسهيل ولوج الشباب والمقاولين إلى القروض. من أبرز هذه المبادرات برنامج برنامج انطلاقة الذي أُطلق سنة 2020 بتوجيهات ملكية، والذي يهدف إلى تمويل المشاريع الجديدة والمقاولات الصغرى بشروط تفضيلية.
ويرتكز هذا البرنامج على قروض بأسعار فائدة منخفضة، إلى جانب تدخل مؤسسة تمويلكم التي تتكفل بتوفير آليات ضمان لفائدة الأبناك. وتصل نسبة الضمان التي توفرها هذه الآليات في بعض الحالات إلى 80 في المائة من قيمة القرض، وهو مستوى مرتفع يفترض أن يخفف بشكل كبير من المخاطر التي تتحملها المؤسسات البنكية.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الضمانات العمومية، رغم أهميتها، لم تنجح دائماً في تغيير السلوك التقليدي للأبناك المغربية في ما يتعلق بتمويل المشاريع. ففي كثير من الحالات، يستمر التعامل مع طلبات التمويل بنفس الحذر الذي كان سائداً قبل وجود هذه الآليات.
بيروقراطية تثقل مسار التمويل:
من المفترض أن تكون الأبناك شريكاً أساسياً في دعم الاستثمار. لكن بالنسبة لعدد من المقاولين، يتحول طلب التمويل إلى مسار إداري طويل ومعقد. ملف ينتقل بين المصالح، ودراسات متكررة، ولجان متعددة، وأسئلة لا تنتهي حول التفاصيل.
وفي نهاية هذا المسار الطويل الذي يصل لشهور، قد ينتهي الأمر برفض الطلب دون تفسير واضح أو مقنع. هذه الوضعية لا تعكس فقط تعقيد المساطر، بل تكشف أيضاً عن ثقافة مؤسساتية ما زالت تميل إلى الحذر المفرط أكثر من ميلها إلى دعم المبادرة الاقتصادية.
والنتيجة أن بعض المشاريع تفقد فرصاً استثمارية حقيقية فقط لأن القرار البنكي يتأخر لأشهر أو يتعثر في مساطر داخلية معقدة.
منطق الضمانات بدل منطق الاستثمار:
الإشكال لا يتعلق فقط بالمساطر، بل أيضاً بالفلسفة التي تحكم عملية التمويل. ففي عدد من الحالات، لا تزال بعض المؤسسات البنكية تعتمد مقاربة تقليدية تركز أساساً على الضمانات المادية.
بعبارة أخرى، يصبح السؤال الرئيسي في دراسة الملف ليس: هل المشروع قابل للنجاح؟
بل: ما هي الضمانات التي يمكن للبنك استرجاعها في حالة الفشل؟
والمفارقة أن هذا المنطق يستمر حتى في الحالات التي تتدخل فيها الدولة لتقاسم المخاطر عبر آليات الضمان. فبدل أن يشكل تدخل الدولة حافزاً لتوسيع التمويل، تستمر الأبناك المغربية في المطالبة بضمانات إضافية، وكأن تلك الآليات غير موجودة.
إشكالية الخبرة في تقييم المشاريع:
من بين التحديات الأخرى أن بعض المشاريع الاستثمارية يتم تقييمها من طرف لجان لا تتوفر دائماً على الخبرة القطاعية الكافية. فتمويل مشروع صناعي أو سياحي أو لوجستيكي يتطلب معرفة دقيقة بخصوصيات القطاع وآفاقه.
لكن في كثير من الأحيان يتم اختزال دراسة المشروع في تحليل تقليدي للوثائق المالية أو في قراءة سطحية لخطة العمل. والنتيجة أن مشاريع واعدة قد يتم رفضها ببساطة لأن من يدرسها لا يمتلك الأدوات الكافية لتقييم إمكاناتها الحقيقية.
فجوة بين الخطاب والممارسة:
لا يكاد يمر شهر دون الإعلان عن مبادرات جديدة لدعم الاستثمار أو تحسين مناخ الأعمال. الأبناك تتحدث عن مواكبة المقاولات، والمؤسسات الرسمية تؤكد أهمية دعم الشباب المقاول.
لكن على أرض الواقع، يكتشف كثير من حاملي المشاريع أن المسافة بين الخطاب والممارسة لا تزال واسعة.
فالدعم الحقيقي لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو البلاغات الرسمية، بل بمدى قدرة المقاول على الحصول على التمويل في الوقت المناسب وبشروط معقولة.
الحاجة إلى تغيير ثقافة التمويل:
إذا كان الهدف فعلاً هو دعم الاستثمار وخلق فرص الشغل، فإن الأمر يتطلب أكثر من إطلاق برامج جديدة. المطلوب هو مراجعة أعمق لثقافة التمويل داخل المنظومة البنكية.
تبسيط المساطر، تسريع اتخاذ القرار، تعزيز الخبرة القطاعية داخل لجان التمويل، وإعادة النظر في المقاربة المفرطة في الحذر… كلها خطوات ضرورية حتى تتحول الأبناك إلى شريك حقيقي للمقاول.
في النهاية، لا يحتاج الاقتصاد المغربي إلى المزيد من الشعارات حول أهمية المقاولات الصغرى والمتوسطة، بل يحتاج إلى منظومة تمويلية أكثر جرأة وثقة في المبادرة الاقتصادية.
فالمقاول الذي يغامر بوقته ورأسماله لا يبحث فقط عن قرض، بل يبحث عن مؤسسة مالية تؤمن بالمشروع بقدر ما تؤمن بحماية ميزانيتها.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المستثمرين اليوم بسيطاً لكنه جوهري:
هل تريد الأبناك فعلا تمويل الاستثمار… أم أنها تفضل تمويل المشاريع التي لا تحمل أي مخاطرة تقريبا؟

