دعا خبراء وأكاديميون وفعاليات مدنية بطنجة إلى إحداث قطيعة مع “المقاربات التقنية الصرفة” في إعداد مشاريع تصميم التهيئة العمرانية، مشددين على أن الوثائق التعميرية لم تعد مجرد خرائط هندسية، بل هي “عقد اجتماعي” يحدد شكل الحياة اليومية ومدى قدرة المدينة على استيعاب احتياجات كافة فئاتها.
وانطلقت النقاشات، خلال مائدة مستديرة نظمتها هيئة المساواة وتكافؤ الفرص بجماعة طنجة اليوم السبت، من فرضية أن الفضاءات العمومية ليست “مجالات محايدة”؛ فالرجال والنساء لا يستعملون المدينة بالطريقة ذاتها.
ونبه المشاركون إلى أن استمرار منطق “الهندسة التقليدية” في تدبير المجال قد يعيد إنتاج الإقصاء المجالي ويُكرس اختلالات قائمة، ما يقتضي إعادة التفكير في هيكلة المجال ليكون منصفا في توزيع الخدمات والبنيات التحتية.
وعلى مستوى بنية القرار التعميري، وجه المتدخلون انتقادات لاذعة لحصر تصميم التهيئة في منطق “الأشكال الهندسية” المعزولة عن دينامية المجتمع.
وفي مقاربة ربطت بين العمران والشعور بالأمان، أكد الخبراء أن نجاعة التخطيط تقاس بمدى استجابته لمتطلبات “الإنارة، التنقل، والولوجيات”.
واعتبروا أن الإقصاء في الفضاء العام لا ينتج فقط عن غياب التجهيزات، بل عن غياب “الأمن النفسي”؛ حيث تتحول الشوارع المظلمة والأرصفة غير المطابقة للمعايير إلى حواجز مادية ونفسية تمنع الاستعمال المنصف للمدينة، خاصة بالنسبة للنساء والفئات الهشة.
مؤسساتيا، أجمع المشاركون على أن المغرب يمتلك أرضية دستورية صلبة لإدماج مقاربة النوع، لكن التحدي يظل في “آليات التنزيل”.
ودعت التوصيات إلى تجاوز الشعارات العامة نحو “أجرأة عملية” تستند إلى نماذج دولية ناجحة أظهرت أن “المدينة الدامجة” هي التي ترصد أنماط تنقل المواطنين وتفاوتات حاجياتهم في الولوج للمرافق، معتبرين أن الاستدامة الحقيقية لا تتحقق إلا بتعزيز الإحساس بالراحة داخل المجال المبني.

