بقلم مصطفى الغاشي: أكاديمي وكاتب مغربي
شهد المغرب تساقطات مطرية طوفانية في الفترة الممتدة ما بين منتصف شهر يناير ومنتصف شهر فبراير 2026، همت مختلف أرجاء الشمال الغربي للمملكة الشريفة، وخصوصا مدينة القصر الكبير؛ وذلك جراء وصول أعاصير جوية قوية ومتتالية، مما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه بصورة غير مسبوقة في الأودية والسدود (وادي المخازن واللوكوس).
وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ قرار إخلاء المدينة، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 120 ألف نسمة، تجنباً لأسوأ السيناريوهات، تماماً كما وقع في مدينة آسفي قبل شهر.
لقد وجد المغاربة أنفسهم أمام ظاهرة طبيعية استثنائية كان لها أثر كبير على المواطنين بعامة، وعلى ساكنة القصر الكبير بخاصة؛ وتمثلت هذه الظاهرة في اضطرار سكان المدينة – ولأول مرة في تاريخها – إلى مغادرة بيوتهم وممتلكاتهم نحو وجهات مختلفة داخل ربوع المملكة، بحسب الإمكانات الخاصة، شملت طنجة وتطوان والمضيق-الفنيدق والعرائش وغيرها.
ولم يكن هذا الحدث بسيطاً أو عادياً في الذاكرة الجماعية لساكنة القصر الكبير، بل سيبقى حدثاً موشوماً في ذاكرة المغاربة خلال القرن الواحد والعشرين، وعنواناً لفترة تقاطع فيها الزمان والمكان، وأنتجت فكراً وثقافة وسلوكاً وخيالاً، فضلاً عن مادة إعلامية توثيقية قوية بالصوت والصورة، إضافة إلى الجدل اليومي الذي صاحبه بشأن توظيف مصطلحات عديدة مثل: المغادرة، الإخلاء، النزوح، التهجير…
إن فيضان القصر الكبير حدث كبير من الناحية الطبيعية والبيئية والاجتماعية، خلّف مادة إعلامية توثيقية مهمة في مجالات الصحافة والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الشهادات والإحصاءات والبيانات، مما أسهم في تأريخ الحدث حتى لا يضيع دون تدوين.
وإذا كان الإعلام قد قام بدوره ونجح في توثيق الحدث، فإن دور المؤرخ ظل بعيداً، أو شبه منعدم، إن لم نقل غائباً؛ إذ لم يواكب الحدث عبر إنتاج سرديات تتناوله في مراحله المختلفة ويومياته بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة انعكاس ذلك على السلوك البشري، ولا حتى السعي إلى البحث عن التفسير والتعليل. ومن هنا يمكن طرح سؤال حول دور المؤرخ والتدوين: هل انتهى دور المؤرخ؟ وما علاقة الكتابة التاريخية بالظواهر الطبيعية؟
ينبع الدافع إلى هذه الكتابة من ندرة الدراسات التاريخية حول الكوارث الطبيعية في المدونات المغربية الحديثة والمعاصرة؛ فقلما نعثر على كتابات متخصصة في الموضوع، رغم أن المغرب عرف عبر تاريخه الحديث والمعاصر عدداً من الظواهر الطبيعية التي تركت آثاراً واضحة في المجتمع والتاريخ المغربيين. ومن أبرز هذه الأحداث:
- زلزال فاس (1624)، الذي يعد من أشد الزلازل التي عرفها المغرب القديم، وتميز بدمار واسع.
- زلزال 1755 (تسونامي لشبونة)، الذي دمر أجزاء من المدن الساحلية المغربية.
- زلزالا مراكش عامي 1719 و1722.
- زلزال 818م بمنطقة جبل طارق.
- زلزال أكادير (29 فبراير 1960)، الذي دمر المدينة تقريباً وخلف نحو 15 ألف قتيل.
- زلزال الحسيمة (24 فبراير 2004)، الذي خلف نحو 600 قتيل.
- زلزال الحوز (8 سبتمبر 2023)، بقوة 6.8 درجات.
- فيضانات آسفي (14 ديسمبر 2025).
- فيضانات القصر الكبير (5 فبراير 2026)، حيث تم إخلاء المدينة بالكامل.
هذا بالإضافة إلى كوارث أخرى مثل الجفاف والتصحر والمجاعات والأوبئة وغزو الجراد.
تشير بعض الدراسات إلى أن المغرب سجل نحو أربعمائة حادثة زلزالية بين القرن التاسع الميلادي وأواخر القرن الماضي، وكان لبعضها آثار مادية وبشرية جسيمة، خاصة في مدن مثل فاس والحسيمة وآسفي وأكادير.
ويعود تعرض المغرب لهذه الهزات إلى موقعه الجغرافي ضمن منطقة نشطة زلزالياً؛ إذ تعود أقدم الهزات الموثقة إلى 28 مايو 818م، عندما ضرب زلزال قوي ضفتي مضيق جبل طارق بين المغرب وإسبانيا.
ويُعد التأريخ للكوارث الطبيعية عملية أساسية لتوثيق مدى تأثيرها في تطور المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وسلوكياً، وحتى على مستوى المعتقد والدين، مما يسهم في الفهم والتفسير، واستخلاص الدروس الوقائية والعلاجية مستقبلاً.
إن دراسة المؤرخ للكوارث الطبيعية مسألة بالغة الأهمية؛ إذ لا تقتصر على توثيق الحدث، بل تشمل تحليل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية، ورصد ظواهر مثل الهجرة، والاحتقان الاجتماعي، والتضامن الجماعي، والتدخلات المؤسساتية. وقد ظهرت هذه الأبعاد بوضوح في زلزال أكادير، وزلزال الحسيمة، وفيضانات القصر الكبير.
ويقود اهتمام المؤرخ بالكوارث الطبيعية إلى رصد تطور نظرة الإنسان إليها؛ من تفسير غيبي قدري إلى فهم علمي جيو-فيزيائي أو مناخي. كما يمكن أن يسهم التاريخ في دعم التخطيط الاستراتيجي من خلال الاستفادة من المعطيات التاريخية في إعداد خرائط المخاطر.
وتُعد مدينة القصر الكبير من أقدم المدن المغربية، وتمتاز بموقع استراتيجي يربط الشمال بالغرب والداخل. وكانت تُعرف في العهد الروماني باسم “أوبيدوم نوفوم”، وارتبط اسمها تاريخياً بمعركة وادي المخازن (4 أغسطس 1578)، التي انتهت بانتصار المغاربة ومقتل ملك البرتغال سيباستيان الأول.
وتقع المدينة بمحاذاة وادي اللوكوس، مما يجعلها عرضة للفيضانات عند ارتفاع منسوب المياه. وقد أسهم بناء سد وادي المخازن سنة 1979 في تقليص مخاطر الفيضانات، غير أن التوسع العمراني داخل المناطق المنخفضة أعاد طرح إشكالية الهشاشة الحضرية، خاصة في ظل ضعف تطبيق بعض القوانين المتعلقة بالتعمير.
وفي مشهد غير مألوف، تم إخلاء المدينة لأول مرة من ساكنتها، وتحولت إلى مدينة شبه خالية، مع نقل السكان إلى مخيمات ومدن أخرى، وتدخل القوات المسلحة الملكية ووحدات الهندسة العسكرية للإغاثة.
وفي الختام، فإن بروز قضايا المناخ والمخاطر الطبيعية منذ نهاية القرن العشرين وضع الجماعة العلمية أمام تحديات كبرى؛ فبينما تسهم علوم المناخ والجيولوجيا في فهم الآليات الفيزيائية، يبقى البعد التاريخي والاجتماعي ضرورياً لفهم الأثر الإنساني لهذه الظواهر.
لذلك، فإن فيضانات القصر الكبير، بوصفها حدثاً طبيعياً وتاريخياً واجتماعياً، تطرح إشكالات جوهرية حول التدوين ودور المؤرخ في مواكبة الكوارث الطبيعية. وستبقى الذاكرة الشعبية للمدينة حافظة لتفاصيل الحدث، عبر الروايات الشفاهية والصور والقصص، ليس فقط بوصفها حكايات للمتعة، بل بوصفها مادة للتاريخ والوعي الجماعي.

