بقلم حمزة ابراهيمي: الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بجهة طنجة تطوان الحسيمة
ليس قرار الإخلاء الكلي لمدينة القصر الكبير مجرد إجراء إداري عابر، بل هو قرار وطني جريء يبعث على الفخر والاعتزاز، ولم يسبق له مثيل في تاريخ المغرب المعاصر، وربما عالميا، دون تسجيل ضحايا. إنه قرار ينبع من حس عالٍ بالمسؤولية ووعي عميق بمستوى الخطر الذي يحدق بالمنطقة، في ظل الارتفاع غير المسبوق في منسوب مياه سد وادي المخازن، نتيجة الأمطار الغزيرة التي عرفها حوض اللوكوس خلال الأيام الأخيرة.
لقد أثبتت التجربة المغربية، مرة أخرى، أن الرعاية الملكية السامية التي أحاط بها الملك محمد السادس، حفظه الله، سكان القصر الكبير ونواحيها ومناطق الغرب، تظل الضمانة الكبرى لحماية الأرواح والممتلكات. فالتوجيهات الملكية الحكيمة جعلت سلامة المواطنات والمواطنين أولى الأولويات وأسمى القيم.
ومنذ الساعات الأولى لورود المؤشرات المقلقة بشأن حجم تصريف مياه السد، تحركت جميع السلطات المدنية والعسكرية والأمنية بتنسيق محكم لتنفيذ عملية الإخلاء التدريجي ثم الشامل.
وشاركت في هذه التعبئة الوطنية القوات المسلحة الملكية، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والوقاية المدنية، والقوات المساعدة، وأعوان الإنعاش الوطني، ونساء ورجال الصحة بمختلف فئاتهم، في مشهد يجسد وحدة الصف وروح الانضباط في مواجهة الطوارئ.
ويأتي هذا القرار الحاسم ليؤكد أن المغرب، بقيادة جلالة الملك، اختار منهج الاستباق بدل الارتجال، واضعا الكرامة البشرية فوق كل اعتبار، ومستحضرا التجارب المأساوية في دول أخرى، كليبيا وإسبانيا وبعض دول شرق آسيا، حين تأخرت التدابير الاحترازية والاستباقية.
وعندما تتحدث الأرقام، تتجلى فداحة الخطر الذي قد يبدو للبعض هيّنا أو مبالغا فيه. فتصريف مياه سد وادي المخازن، الذي انطلق اليوم بمعدل 1500 متر مكعب في الثانية، ليس مجرد رقم تقني بلا دلالة، بل يعادل نحو 129 مليون متر مكعب في اليوم الواحد، أي ما يقارب سعة سد متوسط الحجم يُفرغ بالكامل خلال 24 ساعة داخل وادي اللوكوس.
وللتقريب أكثر، فإن الكارثة التي عرفتها مدينة درنة الليبية سنة 2023، بعد انهيار سدي درنة وبنمنصور، نتجت عن سعة إجمالية لم تتجاوز 25 مليون متر مكعب فقط. أي إن حجم المياه الجاري تصريفها اليوم من سد وادي المخازن يفوق بستة أضعاف تلك الكمية التي دمرت مدينة بأكملها، وأزهقت آلاف الأرواح، وشردت مئات العائلات.
ورغم اختلاف السياق، إذ كان الأمر في ليبيا يتعلق بانهيار مفاجئ للسدين، وليس بتصريف مراقب كما هو الحال في سد وادي المخازن، فإن مقارنة كميات المياه تساعد على استيعاب حجم الخطر. والفرق الجوهري هنا هو أن المغرب لا ينتظر وقوع الكارثة ليتحرك، بل يستبقها بوعي وحزم وتلاحم وطني واستجابة جماعية.
إن عملية الإجلاء التي تمت بأمان وتنظيم دقيق، بمواكبة السلطات المحلية ومساندة الجمعيات والمجتمع المدني، تمثل ترجمة حقيقية لروح التضامن والتآزر الوطني التي تميز المغاربة في الأوقات العصيبة، من جائحة كورونا إلى فيضانات الشمال والغرب، مرورا بزلزال الحوز وفيضانات آسفي.
ومن واجب سكان القصر الكبير استكمال هذا الجهد الوطني بالانصياع الفوري لتعليمات السلامة، وعدم العودة إلى المدينة إلا بعد صدور الإذن الرسمي، لأن الخطر ما زال قائما ما دام تصريف المياه مستمرا بهذه الوتيرة المرتفعة.
ما يجري اليوم في القصر الكبير ليس مشهدا دراميا، بل درسا في الحكمة والتدبير الاستباقي برؤية ملكية رشيدة، ودليلا على أن الدولة المغربية العريقة، الممتدة لأكثر من اثني عشر قرنا، قادرة على حماية أبنائها كلما واجهت التحديات. فقرار الإخلاء ليس تهويلا، بل تعبير عن حس إنساني ووطني عميق، يضع سلامة الناس فوق كل شيء، ويجعل من التضامن عنوانا للمرحلة.
لقد ذهب الجميع إلى مناطق آمنة… لكن المغرب كله هناك، واقف إلى جانب القصر الكبير، بعناية ملكية، وتلاحم وطني، وإيمان راسخ بأن الوطن لا يترك أبناءه في مواجهة الخطر.

