على هامش الندوة التي خُصصت لموضوع السياقة المهنية في النقل الدولي يوم أمس الأحد بمدينة طنجة، استغل المهني والمكون في مهن النقل، محسن امعاشو، فقرة تقديم كتابه “البوصلة” لتمرير جملة من الرسائل القانونية والمهنية المرتبطة بواقع السائق المهني.
ولم يقتصر هذا التقديم على التعريف بمحتوى الكتاب، بل تحول إلى مناسبة لطرح قراءة نقدية للإطار التشريعي المنظم للقطاع، انطلاقا من تجربة ميدانية راكمها المؤلف داخل فضاءات العمل اليومية للسائقين المهنيين.
حيث شدد امعاشو في مداخلته على ما سماه بـ”التناقض الصارخ” بين قانون السير وقانون الشغل في المغرب، معتبرا أن هذا التضارب يشكل أصل العشوائية التي يتخبط فيها القطاع.
فبينما يحدد قانون الشغل سقف ساعات العمل في 192 ساعة شهريا، تفتح مدونة السير الباب أمام معدلات استنزافية قد تصل إلى 288 ساعة، وهو ما يضع السائق تحت ضغط عملي مُنهك، في مفارقة تضرب مفهوم “السلامة الطرقية” في الصميم، وفق امعاشو، الذي تساءل: كيف يستقيم الحديث عن الأمان الطرقي في ظل إرهاق جسدي يتجاوز المنطقين الإنساني والقانوني؟
وعلاوة على ذلك، أجرى امعاشو مقارنة بين التشريع المغربي ونظيره الأوروبي، موضحا أن المشرع في الضفة الأخرى نجح في خلق “تطابق بنيوي” بين قوانين الشغل ومدونة السير، حيث تتماشى سياقات العمل، المحددة في 56 ساعة أسبوعيا، مع سقف قانون الشغل، بما يضمن حقوق السائق كأجير وسلامته كممارس للمهنة.
وفي المقابل، يرى امعاشو أن المغرب، وهو على مشارف عام 2026 ومقبل على توقيع اتفاقية AETR، لا يزال يفتقر إلى وعاء قانوني منسجم، ما يجعل أي خطوة إلى الأمام مجرد غموض تشريعي ما لم تُصحح هذه الاختلالات البنيوية.
ولم تقف المداخلة عند حدود النصوص القانونية، بل امتدت لتطال “عشوائية التنفيذ”، إذ سجل امعاشو بمرارة وجود فراغات قانونية وتعدد في قراءات المادة الواحدة بين المهنيين والمكونين وأعوان المراقبة.
هذا التضارب في الفهم، يضيف المتحدث، أفضى إلى تحرير غرامات تعسفية لا تخدم السلامة الطرقية في شيء، بل حولت القوانين من أداة تنظيمية إلى مصدر تهديد لاستقرار المهنيين، في ظل غياب الوضوح التشريعي، خاصة فيما يتعلق بمشروع القانون 52.05 الذي لا يزال حبيس رفوف التعديل.
وفي ختام مداخلته، شدد امعاشو على أن “التمكن من المهنة” لا يقتصر على مهارة السياقة وحدها، بل يتطلب ضبطا قانونيا شاملا. كما انتقد بشدة النقص التشريعي الحاد المتعلق بـالسياقة بطاقم وتعقيدات الرقمنة وبطاقة السائق، معتبرا أن كتاب “البوصلة” جاء ليساهم في تبسيط هذه القواعد وتوضيح مسار السائق المهني وسط ضبابية القوانين الوطنية.
وأكد أن الكتاب كُتب من قلب المعاناة اليومية داخل مراكز الشحن الدولية، حاملا رسالة واضحة مفادها: “لا تنمية لقطاع النقل بجيش من السائقين يشتغلون في عشوائية، وبقوانين سير يقرأها كل طرف على هواه.”

