في لقطة خارجة عن المألوف، شدّ أحد مشجعي منتخب الكونغو الديمقراطية أنظار جماهير ملعب ابن بطوطة بطنجة، خلال المواجهة التي جمعت منتخب بلاده بنظيره السنغالي، مساء اليوم السبت، ضمن دور المجموعات من كأس الأمم الإفريقية 2025 التي تحتضنها المملكة المغربية.
المشجع الكونغولي اختار أسلوبا صامتا لكنه بالغ الدلالة، إذ ظل واقفا طيلة دقائق المباراة التسعين، دون حركة أو هتاف، في هيئة أقرب إلى “تمثال بشري”، متحديا ضغط المدرجات وإيقاع المباراة، في مشهد لم يمر دون أن يثير تساؤلات المتابعين وعدسات المصورين.
وبحسب المعطيات المتوفرة لطنجة+ فإن هذه الوقفة الرمزية لم تكن اعتباطية، بل جاءت كتخليد لذكرى باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الاستقلال عن الاستعمار البلجيكي، وأحد أبرز رموز النضال الإفريقي ضد الهيمنة الأجنبية.
المشهد الصامت أعادت إلى الواجهة اسما ظل محفورا في الذاكرة الإفريقية، باعتباره رمزا للوحدة والتحرر والكرامة الوطنية.
فباتريس لومومبا، الذي تولى رئاسة الحكومة سنة 1960، لم يُمنح سوى أشهر قليلة في السلطة، قبل أن يُغتال في 17 يناير 1961 في ظروف مأساوية، بعد مؤامرات سياسية معقدة، انتهت بتصفية جسده ومحاولة محو أثره، في واحدة من أبشع جرائم الاغتيال السياسي في تاريخ القارة.
ورغم مرور أزيد من ستة عقود على اغتياله، ما يزال اسم لومومبا حاضرا في وجدان الشعوب الإفريقية، باعتباره صوتا صادحا في وجه الاستعمار، ورمزا لرفض التبعية والدفاع عن السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.
في مدرجات ملعب ابن بطوطة، لم تكن كرة القدم وحدها حاضرة، بل تسللت السياسة والذاكرة والتاريخ إلى قلب المنافسة الرياضية، لتؤكد أن الملاعب الإفريقية، كما كانت دائما، فضاء للتعبير عن قضايا أكبر من نتيجة مباراة، ورسائل تتجاوز المستطيل الأخضر، لتلامس وجدان الشعوب وذاكرتها الجماعية.
وبين صمت المشجع الكونغولي وضجيج المدرجات، بدا أن الرسالة وصلت: “كرة القدم قد تكون أحيانا مجرد لعبة، لكنها في لحظات معينة تتحول إلى منبر رمزي لإحياء الذاكرة ومقاومة النسيان”.


