ليلة 9 دجنبر 2025 ستظل محفورة في ذاكرة مدينة فاس.. حفل عقيقة تحول إلى مأساة حقيقية حين انهارت بنايتان متجاورتان بحي المسيرة، ليدفن تحت أنقاضهما 22 طفلا وامرأة (إلى حدود كتابة هذه الأسطر)، لم يكونوا يعرفون أن نهايتهم ستكون مأساوية.. صرخاتهم، صمت الركام، دماؤهم، كلها مؤشرات صارخة على خلل أعمق: خلل في المنظومة الرقابية، وفي عدم احترام القانون والمعايير.
لكن فاس ليست استثناء.. طنجة، المدينة الساحلية التي تستعد لاستقبال كأس إفريقيا والمونديال، تتخبط منذ سنوات في إرث عمراني متراكم من البناء العشوائي والتجاوزات الخطيرة.
انهيارات جزئية، أراض تحتوي على تربة رخوة، أودية محوّرة، كلها وقائع متكررة..
ويتذكر الجميع ما حدث في منطقة الرهراه، حيث انهار جزء من عمارة على رأس حارس أدى إلى وفاته، وفي حي العالية، أشغال حفر لمشروع يملكه برلماني تسبب في انهيار جزء من الطريق وتهديد المباني المجاورة، فيما كورزيانة شهدت وفاة شخص إثر انهيار جزئي لمنزل قديم، وبني يدر شهدت إصابة سيدتين بسبب انهيار جزء من منزل في المدينة العتيقة بالرغم من ملايين الدراهم التي رصدت لتأهيل البنايات الأيلة للسقوط !
هذه الحوادث المتفرقة ليست مجرد صدفة، بل هي حلقات في سلسلة متواصلة من الإهمال. تحويل مجاري الأودية الطبيعية إلى عقارات خاصة، وتجاوز القوانين بمباركة من بعض المسؤولين، جعل المدينة مختبرا حقيقيا للفساد العمراني.
مثال ذلك ما حدث في مشروع تحويل مجرى “واد اليهود” في طنجة لصالح عقار ضخم بـ”عزيب الحاج قدور”، مع العلم أن الأرض كانت ملكا مشاعا لورثة الساحلي.. التجاوز جرى بتسهيلات مريبة من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، بينما تجاهلت جماعة طنجة، والوكالة الحضرية، ووكالة الحوض المائي اللّكوس حينها الشكايات المقدمة، بل وتعرضت المعطيات للتحريف، بحسب الوثائق والشكايات التي سبق للصحيفة نشرها.
كل هذه الأحداث تطرح سؤالا: هل أصبحت حياة المواطن العادي مجرد ورقة رخيصة في لعبة المصالح الشخصية؟
طنجة، المدينة التي يُفترض أن تكون واجهة للرياضة والسياحة، تتحول إلى ساحة مواجهة بين جشع المستثمرين وغفلة المسؤولين. الأراضي غير الصالحة للبناء، المجاري المحوّرة، المشاريع المخالفة، كلها تحت إشراف من منتخبين ومسؤولين، وكأن القانون أصبح مجرد زخرفة على الورق، والحياة البشرية مجرد أرقام وإحصاءات لا قيمة لها.
كل يوم يمضي دون محاسبة، كل يوم يمر دون مراقبة صارمة، هو يوم إضافي في رصيد الفساد الذي يقتل الأبرياء. طنجة وفاس اليوم تصرخان، وصرختهما تتردد بين الركام والمشاريع التي عليها علامات استفهام: هل من يسمع؟ هل من يستيقظ قبل فوات الأوان؟
الدرس واضح: من يغض الطرف عن البناء العشوائي اليوم، سيكون مسؤولا عن جثث الأبرياء غدا. القانون يجب أن يُطبّق، المساطر يجب أن تُفعّل، وكل متواطئ يجب أن يُحاسب.
المواطن العادي لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الأخطاء والتجاوزات، والأرواح لا تُعوّض.
طنجة وفاس اليوم، وغدا من سيبقى؟ من سيحمي المواطنين من فساد مسؤولين وجشع منتفعين؟ الوقت يداهمنا، والصمت قاتل، والمطلوب الآن إرادة حقيقية، لا وعود جوفاء، لإعادة ضبط منظومة البناء، وحماية حياة المواطنين قبل أن تتحوّل كل المدن إلى ركام مفتوح وأرقام في تقارير الحوادث.
كل حادثة، كل انهيار، كل تجاوز، هو جرس إنذار.. من الرهراه إلى العالية، من كورزيانة إلى بني يدر، تتكرر نفس المعادلة: أرض غير صالحة، بناء عشوائي، غياب الرقابة، تواطؤ، وعشرات الأرواح مهددة.
طنجة وفاس اليوم على شفا الكارثة، وغدا من سيحمل المسؤولية؟
الأبرياء سقطوا بالفعل، لكن يمكن تفادي المزيد إذا تحركت المصالح الإدارية المعنية وعلى رأسهم السلطات.. وإن لم يحدث ذلك، ستكون المآسي القادمة أكبر، والدماء القادمة أكثر.

